تحطيم القدوة مجدداً
حسن م. يوسف- فينكس:
لمناسبة الذكرى الأولى بعد المئة لاستشهاد وزير الحربية السوري يوسف العظمة في ميسلون على أيدي جيش الاحتلال الفرنسي الباغي، نشرت على صفحتي في الفيس بوك لوحة بالألوان المائية للصديق الفنان مازن قوتلي تمثل الشهيد العظمة في صدر شبابه. وقد صدمت بتعليق من أحد زوار الصفحة ينسب فيه معلومات مسيئة وغير صحيحة للشهيد البطل. أخفيت التعليق وزرت صفحة صاحبه، فتبين لي من خلال منشوراته أنه شاب وطني متحمس في مقتبل العمر. عاتبته بلطف، فاحتج علي بالديموقراطية وحرية الحوار في البحث عن الحقيقة...الخ. ونظراً لاقتناعي بحسن نواياه فقد دخلت معه في حوار هادئ أثبت له من خلاله أن المعلومات التي ذكرها ملفقة ولا أساس لها من الصحة، فاعتذر عما بدر منه وانتهينا أصدقاء. ونظراً لوجود كثيرين من أمثال هذا الشاب، فقد نويت أن أعيد نشر رأيي بهذا الموضوع علَّه يوقظ بعض شبابنا المخدرين بسموم مواقع التواصل الاجتماعي التي يبثها أعداؤنا.
قديماً قيل لكي تهدمَ أيةَ حضارة، عليك بهدمِ الأسرة، وهدمِ التعليم، وتحطيمِ القدوة!
وقد تعرضنا لهذه الأنواعِ الثلاثة من التهديم مع الأسف. والمفجع أن محاولات تحطيم القدوة، ازدادت مؤخراً، فقد تعرض البطلُ الرمز، يوسف العظمة، لهجمتين قذرتين عبر مواقعِ التواصل الاجتماعي. الهجمةُ الأولى كانت عندما قام أحدُهُم بالتشويشِ على بطولة وتضحية القائد الشهيد، من خلالِ زعمه أن قتله تم على يد "عدوٍ متخف في الخلف"، مستنداً إلى كلامٍ بلا مرجعية، نقله مخرج تلفزيوني مغمور، عن شخصٍ (مجهول!)، زعم أنه التقاه ذات يوم!
لقد شاهد قائد جبهة القلب، في معركة ميسلون، اللواء تحسين الفقير، بأم عينه، وزيرََ الدفاع يوسف العظمة، وهو يرتقي شهيداً على أيدي البغاة الفرنسيين، وقد وصف الفقيرُ المشهدَ بدقة، في مذكراتِه المخطوطة التي أملك نسخةً منها.
يقول تحسين الفقير في مذكراته واصفاً اللحظات الأخيرة من حياة وزير الحربية يوسف العظمة:
"ونزل باتجاهِ مكانِ الألغام، ولقد انفجر اللغمُ الثالث لدى حركتِهِ، حيث كان يصيح بصوتٍ عالٍ شاتما ضابطَ الاستحكام، فأحدث اللغمُ الثالث، حفرةً بعمقِ نصفِ متر، لأنه أصغرُ الألغام، وكان انفجارُهُ قبل وصولِ الدباباتِ لفوقِهِ بثلاثةِ أمتار، ومع هذا فقد تجنبتِ الدباباتُ الحفرة، وأدارت لنا جنبَها، ووقفت بنظامِ النسق، وبدأت ترمينا بمدافعِ النوردانفلد الصغيرة المجهزة بها، وقطرُ رميِها ثلاثةُ سانتيمتراتٍ تقريبا. ولما انفجر اللغمُ الثالث، لم يتابع وزيرُ الحربيةِ سيرَهُ إلى جهةِ ضابطِ الاستحكام، فانعطف إلى جانبِ الطريق، حيث يوجد المدفعُ الجبليُّ السريع، وعند وصولِهِ لموضعِ المدفع، أمر النائبَ الذي كان لوحدِهِ على المدفعِ المذكور أن يوجهَ المدفعَ على الدباباتِ، ويرميهم مباشرةً، والمسافةُ بينه وبين الدباباتِ المذكورة، لا تزيد عن الخمسين مترا، ووقف رحمه الله مشيراً بيدِهِ إلى الدبابات، وهو يقول ارمِ هذه، ولكن المنيةَ عاجلتْهُ، حيث وجهتِ الدباباتُ نيرانَ رشاشاتِها عليه، فأصيب بصدرِهِ ورأسِهِ وخر رحمه الله صريعاً، شهيدَ الإخلاصِ والواجب، كما أصيب نائبُ المدفع، وخر شهيداً إلى جانبِهِ، وكان رحمه الله عند سقوطِهِ، سندَ ظهرَهُ للمغرس، وأدار وجهَهُ نحوي وفيه بقيةٌ من الحياة، والدمُ يتدفقُ من فمِه، فحالاً أمرتُ الصداحَ أي (نافخ البوق)، النائب محمد الترك، أن يذهبَ بسيارتي ليأخُذَ وزيرَ الحربية، قبل أن يصلَ إليه العدو، ولما أرادتِ السيارةُ أن تدور، أصابتْها قنبلةُ مدفع، أطارت بابيها الخلفيين، وعاد سائقُها ولم يتمكن من أخذِ الوزير، الذي أمال رأسَهُ وسقطَ مسلماً روحَهُ الطاهرة."
هذا وصفٌ دقيق للحظةِ استشهاد العظمة البطل، من قبل شاهد عيان!
وللتشويشِ على البطلِ الرمز يوسف العظمة أيضاً، حدثت هجمة ثانية، فقد نشر أحدهم شائعةً مفادها أن الشهيد البطل يوسف العظمة، كان متزوجاً من ابنةِ جمال باشا السفاح، التي أنجبها من الجاسوسة الصهيونية، سارة أرونسون. والمراجع التاريخية الموثوقة تؤكد أن جمال باشا السفاح، تعرف على سارة أرونسون عام 1915، في بيت النائب اللبناني ميشيل سرسق، في بيروت. وهذا ما يؤكده لطفي أكدوغان في كتابه "سارة المرأة التي هدمت الإمبراطورية العثمانية"، الذي حققه المؤرخ السوري الجليل، محمد محفل.
وقد كان عمرُ ليلى، ابنة القائد العظمة عندما استشهد والدُها عام 1920، ثمانية أعوام، وهذا يعني أنها ولدت قبل أن يتعرف السفاح - الذي يزعمون أنه جدُّها، على سارة، التي يزعمون أنها جدتُها - بثلاثة أعوم!
يندرج هذا الافتراءُ الوقح، ضمن حربِ "تحطيم القدوة"، التي تشُنُّها أطرافٌ غامضة، لدرجةِ الوضوح، على رموزِنا الوطنية، وأبطالِ شعبنا. والمفجعُ أن بعضَ (السوريين) يروجون هذا السمَّ، مما يؤكد أن الغباءَ قد يكون أحياناً أسوأَ من الخيانة!
