813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حصتنا من المستقبل

حسن م. يوسف- فينكس:

خلال العمر الذي أمضيته على جبهة الحروف أعلنت مراراً أنني أومن بالشباب وأفتخر بهم. ورغم كل المحن والمكائد والمخاطر التي تحدق بوطننا وأبنائه من كل الجهات، لم أفقد إيماني لحظة واحدة بالشباب الذين يثبتون المرة تلو الأخرى قدرتهم على اجتراح المآثر رغم فقر الإمكانيات وشراسة التحديات.

وقد سبق لي أن قلت غير مرة، إن شبابنا هم الضمانة الأساسية لحقوق شعبنا، والتحرير الأكيد لأرضنا المحتلة، وهم الشريحة المؤهلة لحل كل مشاكل مجتمعنا المستعصية، وأية محاولة لتصويرهم خلاف ذلك، تصب في خدمة القوى التي تريد تحويلنا إلى ورم في جسد التاريخ، تمهيداً لاستئصالنا منه.

ما لا شك فيه هو أن الشباب في سورية والوطن العربي هم أوسع الشرائح السكانية وأكبرها حجماً وأكثرها نشاطاً وحيوية، فعلماء الاجتماع يعتبرون كل من هو بين الثالثة عشرة والخامسة والثلاثين، شاباً. وفي هذا الضوء تشكل شريحة الشباب 60% من المجتمع السوري، والحال قريب من هذا في مختلف البلدان العربية، وفي مثل هذه الظروف يجب أن يكون الشباب هم هدف التنمية وأداتها مما يقتضي تطوير أوضاع الشباب وزيادة تمكينهم وإدماجهم في عملية التنمية الشاملة. ومع أن طاقات الشباب هي الحل لكل المشاكل التي تعاني منها مجتمعاتنا إلا أن بعض المسؤولين يتعاملون مع الشباب كمشكلة لا كحل، فالمكتب المركزي للإحصاء مثلاً يقول إن معدل البطالة في سورية يبلغ 8.1 %. بينما تفيد التقارير الدولية أن نسبة العاطلين من الشباب دون الثلاثين عاماً، تصل إلى 48% من مجموع العاطلين عن العمل.

لقد أثبت شبابنا أنهم يمتلكون طاقات وقدرات لا حدود لها، فقد قام شباب الجيش العربي السوري بحماية الدولة والدفاع عن حق شعبنا في الحرية والكرامة طوال أكثر من عشرة أعوام وعلى مئات الجبهات، وأثبتوا بوضوح أن العيب ليس في الشباب بل في نظرتنا إليهم وطريقتنا الفاشلة في استثمار طاقاتهم والتعامل معهم، وقد سبق أن كتبت قبل الحرب التي تشنها الفاشية العالمية على سورية أنه من واجب الجهات المعنية أن تقلق لأن البحوث الميدانية تثبت أن واحداً من بين كل ثلاثة شبان سوريين يرغب في الهجرة الى الخارج، مما يثبت أننا بحاجة لمقاربة جديدة لقضية الشباب تثبت لهم اهتمامنا الجدي بمستقبلهم وتمكننا أيضاً من استثمار قوتهم في بناء ما تهدم بدلاً من التعامل معهم على أنهم قوة عاطلة تشكل عبئاً على الاقتصاد الوطني لا منقذاً له!

في ثلاثينات القرن الماضي قال بن غوريون أول رئيس وزراء للكيان السرطان في فلسطين المحتلة:" الكبار سيموتون، والصغار سينسون"، لكن ما جرى مؤخراً في فلسطين المحتلة أثبت بشكل قاطع زيف نبوءة بن غوريون، وقد أعلن ذلك محرر جريدة (هآرتس) الصادرة في فلسطين المحتلة قبل أيام إذ قال: "انتشار الشباب في الاحتجاجات واضح؛ شباب وشابات يرتدون الكوفية الفلسطينية يرددون شعارات مناهضة للاحتلال والحكومة الإسرائيلية ومن أجل النضال الوطني الفلسطيني. وكان الانطباع السائد في المجتمع العربي في السنوات الأخيرة: أن جيل الشباب منغمس في نفسه ويتجاهل النضال الوطني، لكن أحداث الأسبوع الماضي تظهر شيئًا مختلفًا.".

أحسب أنه من واجب المعنيين بالمستقبل العربي أن يتأملوا جيداً هذا الاعتراف الهام الذي أدلى به محرر جريدة (ها آرتز ) وأن يقوموا بالبناء عليه فقد أثبت شبابنا بكل وضوح وقوة أنهم يمثلون حصتنا من المستقبل.

أحسب أن أعمق وأبلغ فكرة قرأتها عن دور الشباب في المجتمع هي ما قاله أستاذي الكاتب الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو:

" كل ما يستطيع الشباب فعله لمن تقدم بهم العمر هو أن يصدموهم وأن يبقوهم على علاقة مباشرة مع العصر". وها أنذا أعلن شكري مرة أخرى، لشباب العرب عموماً ولشباب سورية وفلسطين بشكل خاص، لكونهم يقومون بصدمنا إيجابياً، فهم الضمانة الحقيقة لعدم خروجنا من التاريخ كونهم يعطوننا الفرصة تلو الأخرى، لرؤية العالم عبر عيونهم التي تتقد بالغضب وتشع بالأمل.