813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مصطلح غير صالح

حسن م. يوسف – خاص فينكس:

من يتابع تغطية وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية للحرب المجرمة التي يشنها الكيان السرطاني الصهيوني على شعبنا في فلسطين، مدعوماً بأمريكا وجل الدول الغربية، يصدم بحجم فوضى وتناقض المصطلحات التي تستخدمها هذه المحطات والمواقع في تغطيتها للأحداث. وغالباً ما تصل فوضى المصطلح إلى سوية مشينة من التبعية والانحطاط السياسي والمعرفي.

قد يكون من الطبيعي أن تقوم محطة (فوكس نيوز) أو غيرها من المحطات المملوكة من قبل صهاينة أمريكان، بتصوير ما يجري في فلسطين المحتلة الآن، باعتباره "أعمال عنف متبادلة" بين حماس و(إسرائيل). فهم متحالفون مع العدوان، أما تبني محطات ومواقع (عربية) لمصطلحات فوكس نيوز نفسها، فهذا أمر لا يقبله عقل. فاستخدام مصطلح "أعمال عنف متبادلة" لوصف ما يجري في فلسطين الآن، لا يتجاهل الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في وطنه وحسب، بل يتهم الفلسطينيين بممارسة العنف، ويحملهم مسؤولية ما يجري، على قدم المساواة مع دولة الكيان السرطان، متجاهلاً أن واقع الاحتلال يعطي للفلسطينيين الحق في مقاومته وفق كل القوانين والشرائع والأديان.

إن استخدام بعض المحطات والمواقع (العربية) لمصطلحات دولة العدوان والمتحالفين معها يجعل هذه المحطات والمواقع شريكة في العدوان.

ظهر علم المصطلحات في النصف الأول من القرن الثامن عشر، لكن لم ينظر إليه كعلم قائم بذاته إلا عندما صاغ علماء اللسانيات تعريفاً متفقاً عليه ووضعوا قواعده في بداية القرن التاسع عشر، وقد اشتق اسم المصطلح في اللغة العربية من الجذر الثلاثي "صلح"، والصلاح، على حد قول ابن منظور في (لسان العرب) ضد الفساد والصلح هو السلم، والإصلاح والاصطلاح على حد قول الزبيدي هو اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص.  أي أن المصطلح، بالمختصر، هو لفظ مناسب يعتمده علماء اللسانيات لمعنى محدد.

اعتقد الخوارزمي أن المصطلحات هي مفاتيح العلوم، وفهمُ المصطلحات برأيه يعادل نصف العلم، فالمصطلح عنده هو لفظ يعبر عن مفهوم، والمعرفة بالنسبة له هي مجموعة مفاهيم مترابطة على شكل منظومة.

وقد تضاعفت أهمية المصطلح مع تزايد توجه البشر نحو مجتمع المعرفة، إذ اختارت الشبكة العلمية للمصطلحات في فيينا عبارة "لا معرفة بلا مصطلح" شعاراً لها، فالمصطلحات هي التي "تربط بين أنواع المعارف والتقنيات المختلفة، مما يؤدى إلى توليد علوم وصناعات وخدمات جديدة". وقد تشكلت مدارس وتوجهات مختلفة في علم المصطلحات، لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة.

ما يؤسف له هو أننا نحن العرب نستورد المصطلحات كما نستورد السلع، من مصادر مختلفة، ونتداولها فيما بيننا، ما يجعل مختلف مدارس المصطلحات تتشابك وتتصارع في عقولنا. وحال المصطلح في حياتنا الثقافية أكثر سوءاً من حاله في حياتنا العلمية، وهو يأخذ بعداً كارثياً في الإعلام العربي.

من المعروف أن المؤسسات الإعلامية الكبرى في الغرب تضع في كل عام ما يسمى بـ "كتاب الأسلوب" أي Style book يتضمن المصطلحات والصيغ التي تتطابق مع سياستها، كما تقوم بتزويد العاملين لديها، بين وقت وآخر، بما يسمونه "إرشادات تحريرية" Editorial guidelines تتضمن المصطلحات التي يجب استخدامها من قبل العاملين بشأن القضايا المستجدة. أما نحن فنعتمد فوضى المصطلح، ونقوم باجترار مصطلحات وسائل الإعلام الغربية، مما يجعل بعضنا يخدم سياسات أعدائنا.

سبق وقلت بصيغ مختلفة: قد يخرج العرب من التاريخ، كلٌّ بمفرده، لكنهم لن يدخلوا التاريخ إلا مجتمعين. والآن أقول: لن يستقيم حال العرب مالم يطلقوا سراح عقول علمائهم كي يقوموا مجتمعين ببناء علم موحد للمصطلحات العربية في شتى ميادين العلوم والثقافة والسياسة. وإلا فإنهم سيظلون يخدمون سياسات أعدائهم، عن معرفة حيناً، وعن جهل في كثير من الأحيان.