الصحفي وشجرة الكاوتشوك
2021.04.28
حسن م. يوسف – فينكس:
قبيل بدء شهر رمضان الكريم دعيت مع عدد من الأصدقاء لتناول طعام الغداء في نادي مصفاة بانياس، الذي يتمتع بموقع جميل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وقد استوقفتني على يمين الدرج المفضي الى النادي شجرة كاوتشوك عملاقة، انتشرت حول جذعها الضخم عشرات الجذور الهوائية التي نزلت من أعلى لتضرب جذورها عميقاً في الأرض، ولتتحول مع الوقت إلى جذوع متباينة الثخانة، تنتشر بشكل دائري حول الجذع المركزي للشجرة الأم كما لو أنها تحميها من الأخطار.
الشيء الغريب هو أن منظر شجرة الكاوتشوك تلك جعلني خلال لحظات، أستعيد السنوات الطويلة التي أمضيتها في الصحافة السورية. فما العلاقة بين الصحافة وشجرة الكاوتشوك!
في عام 1976 شاركت في مسابقة جريدة البعث للقصة القصيرة التي كان رئيس لجنة تحكيمها الأديب الكبير الحاضر أبداً سعيد حورانية، وفزت بالجائزة الأولى عن قصة "سالاثيميا عظمى". وعقب توزيع الجوائز همس لي الأستاذ عدنان بغجاتي المدير العام ورئيس تحرير جريدة البعث، لروحه السلام ولاسمه عطر الياسمين، طالباً مني بأن أزوره في مكتبه بعد ظهر اليوم التالي، ولما علم أنني أودي خدمة العلم الإلزامية، ولا أملك وظيفة ثابتة، طلب مني أن أراجعه عندما أسرح من الجيش كي يعينني في القسم الثقافي بالجريدة.
عقب تسريحي من الجيش ذهبت للقاء الأستاذ عدنان بغجاتي. كان قد انتهى لتوه من قراءة مجموعتي القصصية الأولى "العريف غضبان" التي صدرت عن وزارة الثقافة عام 1978، قال لي "قصصك توحي أن شخصيتك متمردة وهذا يعني أنك لا تناسب جريدتنا". وبعد لحظات من الصمت، تناول سماعة الهاتف واتصل بالأستاذ عميد خولي، المدير العام ورئيس تحرير جريدة تشرين آنذاك، له مني عاطر التحيات وأطيب الأمنيات بطول العمر والصحة. وبعد أن امتدحني الأستاذ بغجاتي بما لا أستحق، أبلغ الأستاذ عميد على مسمع مني، أنني سأكون إضافة مهمة للقسم الثقافي في تشرين، فطلب منه أن يرسلني فوراً. لم أكذب أنا خبراً، فذهبت من فوري إلى جريدة تشرين، وقابلت الأستاذ عميد الخولي، فأبلغني دون أية مقدمات، بمباشرة الدوام بدءاً من صباح اليوم التالي. وهكذا عينت محرراً رئيسياً في القسم الثقافي بجريدة تشرين دون فحص ولا مسابقة، وتم تثبيتي بعد عام.
صحيح أن الأستاذ عميد منع لي زوايا كثيرة من النشر، لكنني رغم اختلاف وجهات النظر في كثير من الأحيان، كنت ولا أزال أكن له كل الاحترام والتقدير.
من الأشياء الطريفة المتعلقة بالأستاذ عميد خولي، أنني التقيت مرة بمساعد في الشرطة، ضخم البنية، عظيم الكرش، يتحدث بهدوء وصوت خفيض، قال لي بيقين تقشعر له الأبدان كما لو أنه يبوح بسر نووي: "رئيس تحرير جريدتكم مغضوب عليه، وأنا متأكد أنه سيطير قريباً". سألت الرجل عما يجعله متأكداً من ذلك؟ فهمس لي بجدية مرعبة: "هو برتبة عميد منذ حوالي عشرة أعوام ولم يرفَّع، وهذا دليل أنه مغضوب عليه وسيطير قريباً!" والعجيب أنني لم أضحك يومها، رغم أن شر البلية غالباً ما يضحك!
ذكرتني شجرة الكاوتشوك بالعمر الذي أمضيته في الصحافة، لأنني قلت ذات يوم للأستاذ عميد خولي إن الصحفي السوري يشبه شجرة الكاوتشوك، إذا زرعته في حوض صغير يحتوي على بضع حفنات من التراب يبقى حياً وينمو بحجم ما توفره له حفنات التراب من غذاء، أما إذا زرعته في أرض خصبة، عندها تتفجر قدراته ولا يصبح شجرة عملاقة وحسب، بل تتدلى منه جذور هوائية تتحول بدورها إلى أشجار!
صحيح أن صحافيينا أو ما تبقى منهم، ليسوا في أفضل أحوالهم، لكنني رغم ذلك أستطيع القول بكل ثقة بأن الصحفيين السوريين كانوا ولا يزالون أفضل بكثير من ظروفهم، فهم يصنعون من الضعف قوة ويحاربون على جبهات خطرة بأيد شبه عارية. وأكبر دليل على أن العلة لا تكمن في الكوادر البشرية، هو أن الغالبية العظمى من الصحفيين السوريين الذين يعملون في الخارج، هم أكثر تفوقاً في ممارسة المهنة من زملائهم العرب. نعم ما يبدو لنا من الصحفي السوري ليس هو حجمه الحقيقي، بل هو حجم الفرصة التي أتيحت له.
