العميدان الخالدان
2020.11.21
شاءت الصدفة المرة أن يصلني نبأُ وفاةِ الأستاذ وليد المعلم، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزيرِ الخارجية والمغتربين، عبر موقعِ القسمِ العربي لهيئةِ الإذاعة البريطانية صباح الاثنين الماضي، وقد كانت صدمتي المهنية بصياغةِ الخبر لا تقِلُّ قسوةً ومرارة عن صدمتي الإنسانية والوطنية بفِقدان ربانِ الدبلوماسية السورية الماهر، في هذه الأزمنة الحساسة والظروف المعقدة. فقد جاء الخبرُ هزيلاً بشكل لا يليق بهيئةِ بي بي سي، التي هي أكبر وأقدم إمبراطورية إعلامية عابرة للقرون. ولكيلا أضعَ العربةَ أمام الحصان، إليكم نصُّ الخبر كما نشر عقب الوفاة: "توفي وزيرُ الخارجية السوري وليد المعلم فجر الاثنين 16تشرين الثاني، عن عمرٍ يناهز الـ79، وكان المعلم من أبرز وجوه الحكومة السورية الظاهرة في الإعلامِ المحلي والدولي، فكانت له تصريحاتٌ عدة مثيرة للجدل". انتهى الخبر.
صحيح أن الهيئة المذكورة نشرت في أوقاتٍ لاحقة أخباراً أكثر تفصيلاً عن فقيدِنا الكبير، إلا أن خبرَها الأولَ الهزيل يعبر عن مدى حِقدِ الإعلامِ الاستعماري المتصهين على فارسِ الدبلوماسية السورية الذي كان يمتاز بالشجاعة والهدوء والرصانة، ويكفيه مجداً الموقفُ الذي سجله في مؤتمر جنيف الذي عقد في 22 كانون الثاني 2014، فقد حددوا له عشرة دقائق فقط كي يلقي كلمة سورية، وعندما قاطعه بان كيمون أمين عام الأمم المتحدة، غير مرة، لتجاوزِهِ الوقتَ المحدد، أجابه المعلم بهدوئه المعهود: "أنتَ تكلمتَ 25 دقيقةً، أنا أعيش في سورية وأنت تعيش في نيويورك... لدي الحق لإيصالِ الصورة الحقيقية في سورية" ورغم الاحتجاجات والمقاطعات تكلم المعلم لمدة أربع وثلاثين دقيقة، وقد دخلت كلماتُهُ التاريخ عندما هز سبابتَهُ في وجهِ جون كيري وزيرِ خارجية أمريكا آنذاك: "لا أحد في العالم سيد كيري، لا أحد في العالم يستطيع إضفاءَ الشرعية أو عزلَها أو منحَها لرئيسٍ أو حكومةٍ أو دستورٍ أو قانونٍ أو أي شيءٍ في سورية إلا السوريين أنفسُهُم".
والحق أنني قررت منذ أن قرأت ذاك الخبرَ الهزيل الذي نشرته البي بي سي عن رحيل فارس الدبلوماسية السورية وليد المعلم، أن أكرس هذا الحديث لذكراه ولذكرى فارسٍ آخر من فرسان الدبلوماسية السورية كان له موقف مشابه في المنظمة الدولية، هو المناضلُ الوطنيُ الكبير فارس الخوري. ونظراً لأن حديثي يذاع صباح السبت فقد يظن المستمع أنني اقتبست فكرةَ الجمع بين فارسي الدبلوماسية السورية وليد المعلم وفارس الخوري من الإعلامية السورية الأستاذة راميا الإبراهيم التي نشرت مقالاً على موقع تلفزيون الميادين بعنوان: "بين العميدين الخوري والمعلم ". صحيح أن التاريخ ليس ملكاً لأحد، لكنني أود أن أوجهَ تحيةَ تقدير للأستاذة راميا الإبراهيم لحضورها المتألق على شاشة الميادين ولأنها سبقتني في نشر ما كتبته عن العلاقة بين "العميدين الخوري والمعلم" مع أننا قد نكون فكرنا بذلك في الوقت نفسه.
وصف الصحفي حبيب كحالة ما جرى في جلسة الأمم المتحدة، قال: "...فدخل فارس بك الخوري، ممثل سورية في الامم المتحدة، بطربوشِهِِ الأحمر و بذتِهِ البيضاء الانيقة... قبل موعدِ الاجتماع الذي طلبته سورية من أجل رفعِ الانتدابِ الفرنسيِ عنها بدقائق و اتجه مباشرة الى مقعدِ المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة وجلس على الكرسي المخصص لفرنسا، تاركاً المقعدَ المخصص لسوريا فارغاً، دخل المندوبُ الفرنسي، و وجد فارس بك يحتل مقعد فرنسا في الجلسة.. فتوجه اليه وبدأ يخبره أن هذا المقعد مخصص لفرنسا ولهذا وضع أمامه علمُ فرنسا، وأشار له إلى مكان وجود مقعد سوريا، مستدلاً عليه بعلم سوريا، ولكن فارس بك لم يحرك ساكناً، بل بقي ينظُر إلى ساعتِهِ. دقيقة، اثنتان، خمسة.
استمر المندوبُ الفرنسي في محاولة "إفهام" فارس بك بأن هذا المقعد هو مقعدُ المندوبِ الفرنسي... ولكن فارس بك استمر بالتحديقِ إلى ساعتِهِ: عشر دقائق، أحد عشرة، اثنا عشرة دقيقة، وبدأ صبرُ المندوبِ الفرنسي بالنفاد: هنا مقعد فرنسا الحرة، أنت لا تعرف أين تجلس. لكن فارس بيك استمر بالتحديق بساعتِه، تسع عشرة دقيقة، عشرون، واحد و عشرون.
واهتاج المندوبُ الفرنسي، ولولا حؤول سفراءِ الأمم الأخرى بينه وبين عنقِ فارس بيك لكان دكه، وعند الدقيقة الخامسة والعشرين، تنحنح فارس بيك، ووضع ساعتَهُ في جيبِ الجيليه، ووقف بابتسامةٍ عريضة تعلو شفاهَهُ وقال للمندوبِ الفرنسي: سعادةَ السفير، جلست على مقعدِكَ لمدة خمسٍ وعشرين دقيقة فكِدتَ تقتُلُني غضباً وحنقاً، سوريا استحملت سفالةَ جنودِكم خمساً وعشرين سنة، وآن لها أن تستقل. وفي تلك الجلسة أعلن استقلالُ سورية وانتهاءُ الانتدابِ الفرنسي".
تحية للفقيدين المعلم والخوري ولكلِ فرسان الدبلوماسية السورية، في كلِ زمانٍ ومكان.
* أذيع صباح السبت 21/ 11/ 2020 عبر أثير شام أف أم
