813 125

 

كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بريد الكراهية‍!

بعد أحداث أيلول التي وقعت قبل تسعة عشر عاماً كتبت هذا المقال في جريدة تشرين عن الصحفي البريطاني الإيرلندي روبرت فيسك الذي فقدناه قبل يومين بسبب إصابته بسكتة دماغية في بيته بدبلن.
=========================================
آفاق - بريد الكراهية!
 
حسن م. يوسف
 
أعتقد أن الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك واحد من أبرز الكتاب الشرفاء في الصحافة الغربية، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، فهو واحد من كتاب قلائل يعلنون رأيهم الحر بكل شجاعة متحدين هيمنة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية، لهذا فمن الطبيعي أن يتعرض لسيل لا ينتهي من الإزعاجات والمضايقات ورسائل الكراهية التي يمطره بها ذوي القلوب السوداء عبر البريد الإلكتروني. ويبدو أن الأمر قد زاد عن حده مؤخراً لدرجة أن الكاتب فيسك كتب يوم أمس الأول الثلاثاء مقالاً في جريدة الإندبندنت اللندنية بعنوان: "لماذا يريد جون مالكوفيتش أن يقتلني؟".
يقول فيسك إن رسائل الكراهية ليست جديدة بالنسبة له فقد تعود أن يتلقى رسالة تأنيب كل أسبوع عندما يكتب عن "مقتل مدنيين لبنانيين أبرياء في غارات جوية إسرائيلية،" لكن الأمر بدا يتغير بالنسبة له منذ أن قام بتغطية مذبحة قانا التي كان شاهد عيان عليها والتي قتل فيها 108 مدنيين لجئوا إلى مقر الأمم المتحدة هناك.
يقول فيسك: "يبدو أن الإنترنت قد حولت أولئك الذين لا يريدون سماع حقيقة ما يجري في الشرق الأوسط إلى جماعة من دعاة الكراهية يقومون بتوجيه رسائل البريد الإلكتروني، ليس لي فقط، بل لكل صحفي يجرؤ على انتقاد إسرائيل أو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط."
وبعد أن يتحدث فيسك عن تجاربه الماضية يعلن أنه "خلال ستة وعشرين عاماً من العمل في الشرق الأوسط لم يسبق أن تلقيت مثل هذا الكم الكبير من الرسائل التافهة المهددة الموجهة لي. فالكثيرون الآن يطالبون بموتي، وفي الأسبوع الماضي صرح الممثل الهوليودي جون مالكوفيتش لـ "كامبريدج يونيون" بأنه يود أن يطلق الرصاص علي."
هنا يتساءل فيسك: "كيف وصلنا إلى هنا؟ ببطء ولكن بثبات تحولت الكراهية إلى تحريض وتحول التحريض إلى تهديدات بالموت. لقد انهارت جدران الآداب الاجتماعية والقانونية بحيث بات من الممكن اضطهاد الصحفي وتشويه سمعة عائلته، وقد يتعرض للضرب من قبل جمهور غاضب. وهكذا تصبح حياة الصحفي الذي يستقبل بالضحكات الساخرة والإهانات على صفحات الجرائد الأمريكية، رخيصة ويصبح معرضاً للهجوم من قبل ممثل يقول إنه يريد قتلي ـ دون أن يكلف نفسه إبداء السبب."
تقول إحدى الرسائل الأخيرة التي وردت لفيسك: "إن أمك هي شقيقة إيخمان" - الضابط النازي المعروف- هنا يقول فيسك إن أمه بيغي التي ماتت بعد صراع طويل مع مرض الباركنسون كانت في قسم اتصالات الجيش أثناء معركة بريطانيا عام 1940.
يرى روبرت فيسك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد أججت بريد الكراهية إلى أقصى حد، عندما وقعت التفجيرات كان روبرت فيسك على متن طائرة متجهة إلى أمريكا فوق الأطلسي، وقد كتب مقالاً على متن الطائرة العائدة قال فيه: "ستجري محاولة خلال الأيام القليلة القادمة لمنع أي إنسان من السؤال لماذا وقعت هذه الجرائم ضد الإنسانية في نيويورك وواشنطن؟ وقد أملى فيسك مقاله من على متن الطائرة عبر الهاتف الفضائي، فتحدث عن "تاريخ الخديعة في الشرق الأوسط "وتزايد الغضب العربي وموت آلاف الأطفال العراقيين بسبب قوانين المقاطعة المدعومة أمريكيا واستمرار احتلال الأراضي الفلسطينية من قبل إسرائيل حليف أمريكا.
"أنا لم الق كل اللوم على إسرائيل، بل قلت إن الملام هو بن لادن" ولكن رسائل البريد الإلكترونية تدفقت على فيسك من كل حدب قال أحدهم إن الهجمات التي تمت على أمريكا قد نفذها "الكره نفسه" وقد كتب له البروفيسور جوديا بيرل يقول إنه "ينفث السم" وأنه "بائع متجول للكراهية".
أحد القراء وصف فيسك بأنه"مضطرب عقلياً، سيد آخر من سان دييغو خاطب فيسك قائلا: "أنت شخصياً تدعم الشيطان بذاته".
لكن ذلك لم يكن هو الأسوأ “فأثناء مشاركة فيسك في أحد برامج الإذاعة الأيرلندية اتصل أستاذ في جامعة هارفارد مغتاظاً من تساؤله عن دوافع أحداث الحادي عشر من أيلول، فوصفه بأنه "كذاب" و "رجل خطير" وأعلن "أن معاداة الأمريكية" مثل معاداة السامية. وهكذا يتوصل فيسك أن انتقاد الولايات المتحدة وإسرائيل يكفي لكي يوصف المرء بأنه "كاره لليهود وعنصري ونازي".
منذ أن بدأ أرييل شارون حملته الإجرامية على مدن وقرى الضفة الغربية بدأ المتصهينيون في أوروبا يعتبرون كل صحفي يجرؤ على انتقاد إسرائيل داعية لمعاداة السامية وحرق المعابد اليهودية! وهكذا على حد قول فيسك "لم تعد ممارسات إسرائيل الإجرامية واحتلالها هي السبب... بل إن الصحفيين هم المسؤولون عن ذلك!"
يقول فيسك: "إن أي فرد ينتقد الولايات المتحدة أو والسياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط قد يجد نفسه في منطقة إطلاق النار هذه. كما هو الحال مع زميلي في القدس فيل ريفز واثنين من مراسلي البي بي سي في إسرائيل، ومراسلة الغارديان سوزان غولدنبرغ . وكمثال على هذه الحالة يتحدث فيسك عن جينيفر لونيشتاين المدافعة عن حقوق الإنسان التي كتبت تدين من يزعمون أن الفلسطينيين يضحون بأطفالهم بشكل متعمد. فقد تلقت رسائل كراهية، رغم أنها يهودية، تصفها بأنها: "عاهرة. أستطيع أن أشم رائحتك من بعيد! أنت زانية وفي داخلك دم عربي. أمك عربية زانية. أنصحك بحق الله أن تغيري اسمك ال... على الأقل. التوقيع بين أفيرام".
بعد ذلك يتساءل روبرت فيسك عما إذا كان لبريد الكراهية هذا أي قيمة، ثم يعترف بكل أسف أنه يشجع الآخرين على اقتراف المزيد من الحماقات فعندما أعلن الممثل الأمريكي مالوكفيتش أنه يريد قتل فيسك نشرت عدة رسوم كاريكاتورية في الصحافة الأمريكية حول الموضوع تفيد أن الكثيرين يودون القيام بقتل فيسك أيضاً! ويعلق فيسك على هذا الأمر قائلاً: "إن حياتنا كصحفيين مصادرة الآن من قبل من يغرقونا بالكراهية عبر الإنترنت. فإذا كنا نرغب في حياة هادئة فيجب علينا أن نقف في دور من يريدون التوقف عن انتقاد إسرائيل وأمريكا أو أن نكف عن الكتابة نهائياً".
السؤال ماذا فعلنا نحن العرب من أجل فيسك وأمثاله من الصحفيين والكتاب الشرفاء الذين يغامرون بدمهم من أجل إيصال صوت حقنا للعالم؟