بين أنَّا وآن
2020.11.01
حسن م. يوسف
رغم انقضاء حوالي أسبوعين على المؤتمرِ الصحفي الذي عقد في الثالث عشر من الشهر الجاري بين وزيرةِ الخارجية السويدية آن ليندي ووزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، ماتزال أصداءُ ذلك المؤتمر تتفاعل في الأوساط الإعلامية والدبلوماسية. وقد تفنن الإعلاميون في وصف ما جرى في المؤتمر فأطلقوا عليه صفاتٍ تصاعدية، أرقُّها السجالُ والجدال وأخشنُها المشادةُ والشجار.قالت وزيرةُ خارجية السويد الناطقة باسم الاتحادِ الأوروبي آن ليندي "“الموقف القوي للاتحاد الأوروبي ما زال كما هو... مستمرون في حث تركيا على الانسحاب من الشمال السوري".
وقد أغضبت كلمةُ "حث" وزيرَ خارجيةِ تركيا لأنه اعتبرها بمثابة أمرٍ وتحذيرٍ لبلادِه، فأراد أن يعطي السيدة ليندي درساً في الدبلوماسية فقال لها إن استخدامَ كلمة "حث" خطأ وأنه كان بوسعها أن تستخدم عبارة "دعوة تركيا".

فردت عليه الوزيرةُ ليندي بقولها: " “الجميع هنا يعلم أننا قد أجرينا مباحثاتٍ صريحة ومنفتحة ولا أريد أن أدخلَ في سجالٍ هنا ولكن، فقط أتمنى أن يُسمح لكلِ إنسان في تركيا أن يعبّر عن رأيِهِ بالحريةِ نفسِها التي يعبّر بها السيدُ الوزير" مشيرة بذلك بوضوح إلى قمعِ نظام أردوغان للصحفيين الأتراك وقيامِهِ بزجِّ معارضيه في السجون. وقد اعتبر هذا الرد بمثابة ضربة دبلوماسية محكمة لأوغلو وللنظام التركي.
ما لفت انتباهي في الأمر، هو التشابهُ الكبير في الاسم والتوجه بين وزيرة الخارجية السويدية الحالية آن ليندي وبين وزيرةِ الخارجية السويدية أنَّا ليند التي تم اغتيالُها في العاشر من أيلول عام 2003.
مالا بد من الإشارة اليه هو أن كلا الوزيرتين أنَّا ليند وآن ليندي تنتميان لحزب العمل الاجتماعي الديمقراطي الذي كان ينتمي إليه أولاف بالمه رئيسُ وزراِء السويد الذي اشتهر دولياً بمواقِفِه الجريئة وصراحتِه الشديدة في ما يخص الصراع العربي الصهيوني وقضايا السلام والديموقراطية والتفاهم الدولي والأمن المشترك، فقد كان أولَ رئيسِ حكومةٍ غربي يزور كوبا بعد قيام الثورة فيها. كان بالمه ينتقد بحدة طموحاتِ الإمبريالية كما كان ينتقد الأنظمةَ السلطوية، وقد تسببت إدانتُهُ الشديدة لتفجيرات هانوي عام 1972، إلى تجميد العلاقات بين السويد وأمريكا.
في الثامن والعشرين من شباط 1986 وبينما كان أولاف بالمه يخرُج بصحبةِ زوجتِه من السينما عند الساعة الحادية عشرة ليلا تم اغتيالُه بعدةِ طلقاتٍ نارية. يومها توجهت أصابعُ الاتهام للكيان الصهيوني ولنظامِ الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وللمخابرات المركزية الأمريكية، لكن الجريمة نسبت للصٍ سكير يدعى كريستر بيترسون غير أن المحكمة أطلقت سراحَهُ لعدم كفاية الأدلة، وبعد فترة قيل إن " بيترسون سقط على الإسفلت" وأصيب بفشل في الدماغ أدى إلى وفاته، وقد زادت وفاةُ بيترسون بهذه الطريقة المزيدَ من الشكوك لكن قاتلَ بألمه الحقيقي لم يعرف حتى الآن.
وبعد سبعةَ عشر عاماً من اغتيال بالمة وصلت رفيقتُهُ أنَّا ليند إلى كرسي وزارة الخارجية السويدية وأدلت بتصريحات جريئة حول جرائم الكيان الصهيوني في غزة كما أعلنت تأييدَها لحق الفلسطينيين في دولتِهم المستقلة، مما أغضب الصهاينة، وقد حييت يومها في زاوية "عقل في الكف" التي كنت أكتُبُها في جريدة تشرين السيدة الجميلة أنا ليند مبدياً خوفي عليها من أن يكون مصيرُها كمصير رفيقِها أولاف بالمة، وهذا ما كان! فقد تم الاعتداءُ عليها بسكين وسط متجر وهي تتسوق مع صديقتِها في العاشر من أيلول 2003 وتوفيت في اليوم التالي، وكما كان الحالُ في قضية بالمة فقد نسبت عمليةُ اغتيال أنا ليند لرجل مختل نفسياً.
وأنا إذ أطلُب من السيدة آن ليندي وزيرةِ خارجيةِ السويد الحالية أن تهتم بأمنِها، أسمح لنفسي بأن أهمِسَ لها. سيدة آن شكراً على شجاعتِكِ، وسلامتك من كل الأشرار والشرور.
* نص حديثي الذي أذيع على هواء سوريانا إف إم صباح اليوم.
