كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شيشرون يتحول إلى حجّاج بن يوسف.. جان عزيز ونوال برّي والكامخ بينهما !

عبد الغني طليس
الجمع بين كاتب سياسي كجان عزيز ومندوبة تلفزيونية كنوال برّي تبدو فيه مشقّة مهنية لكنها مشَقّة محببة لدي حين يكون المشترَك الكامخ بينهما أكبر من المختلَف عليه…
حين كان جان عزيز في قرنة شهوان مُنظّراً ضد "أسلمة لبنان" على يدي سياسة رفيق الحريري، الآتي ليحوّل لبنان "إمارةً سعودية بشراء الأراضي والاستحواذ السياسي على المسيحيين" كنا نعرفه ونقبله هناك، فهو في موقعه الطبيعي ضمن المارونية السياسية التي وصفها كتاب "المتاهة" (عن مرحلة ما قبل ١٩٤٥ وما بعدها) وكاتبه يهودي من أبرز مسؤولي "الوكالة اليهودية" بأنها عرَضت نفسها للاعتراف الفوري بالدولة اليهودية الآتية وجُلّ مطالب الموارنة كان المال وعقْد اتفاق حماية مع اليهود، وتخلّت من ضمن ما تخلّت تلك المارونية، بلسان بطركها أنطوان عريضة، عن قسم من أرض لبنان (الجنوب تحديداً) في اجتماع في فرنسا حضره يهود، فرفضت فرنسا الطلب، و"بَهْدَلت" البطرك، وأمَرته بالتخلي عن الفكرة.
كان جان عزيز (وما زال) ابن هذه المدرسة - البطريركية، لكن استشهاد رفيق الحريري قلَب الأمور رأساً على عقب، وركَبت قرنة شهوان التي كان رفيق الحريري داعبَها (بضم سنّي إليها في أواخر ايامه!) على الحدث الجَلل "المناسب جداً" لتبديل المواقع وحتى الخطاب.
ويبدو أنه لم يكن سعيداً أو مرتاحاً في مكانه الجديد، فانخرط مع الرئيس ميشال عون في نشاط التيار الحر ثم في فريق رئاسة الجمهورية، ثم حركشَ به جبران باسيل فخرج من عند عون. ومرت فترة كان يكتب فيها في جريدة "الأخبار" بمبدأ التقيّة حيث عُرفت كتاباته يومها بأنها ملوّنة، وحتى الجُمل فيها كانت مركّبة بطرق ملتوية لتبدو منطقاً. ثم خرجَ.. ليكون محللاً سياسياً ثابتاً في حلقات برنامج سياسي على "الجديد" مواظباً على تدوير زوايا الأفكار والأنظار، وأفظع ما قاله قبل انتخاب جوزف عون رئيساً، عندما استعصى الوضع" لماذا لا يتم انتخاب سليمان فرنجية" كايِلاً له المديح المرتبط بعينه التي حطّها على ان يكون مستشار فرنجية السياسي في قصر الجمهورية!
لا أطيل السيرة، إلا لأقول إن النطنطة المرتبطة بالمعاش الشهري هي ما يأكل عقل هذا الرجل من زمااان، ولا يهم تموضع الهوى السياسي باتجاهات مختلفة والذي كان يميل مع كلّ مَيْل، حسب الحاجة، ويرتدي الألوان كلها من الأبيض إلى الأزرق إلى الأصفر إلى الأخضر إلى… أن استقر في قصر رئاسة جوزف عون، بالرتبة ذاتها التي كان يتمناها منادياً بسليمان فرنجية رئيساً يرضى عنه "الثنائي الشيعي".
وهنا ارتاح جان عزيز. فقد وفّقه الله برئيس جمهورية اعتاد الجُمَل الوطنية المطاطة والعامة التي في بيانات قيادة الجيش وكلماتها إلى الجنود، فإذا بجان يُخرجُه منها إلى جُمَل أخرى تبدو ذات عمق وهي فُتات موائد في السياسة والأدب. لكن الرئيس سعِد بالتحوّل، خصوصاً في ردود الفعل على خطاب القسم الذي إذا استعدناه اليوم، أي بعد سنة ونصف تقريباً، لكان يتحدث عن مباديء (انتُهِكت) وأفكار (مُسِخت) وقضايا عليا (دُعِسَت) وشعب واحد (تفجّر) ووطن قوي (عَرّوهُ تمهيداً للاستباحة). وارتفعت أسهم جان عزيز حتى ظن نفسه شيشرون، وهنا كان على خَسّة الرأس التي اعتمدَت الخِسّة في درب مهني طويل أن تنكشف أوراقها، وتنقلب على ذاتها المتلوّنة لتجسّد أخيراً شخصية الحَجاج بن يوسف الثقفي الذي كانت لديه جيوش ليحكي بذلك الوقع والجبروت، في حين ليس لحَجّاجنا الجديد غير البذلة التي يرتديها لزوم الوجاهة في القصر.
راح الحجّاجُ الأجّاجُ الدجّاجُ (جنس عاطل) يعبّر عن أفكار سياسية من ذات المصدر الماروني القديم الذي ذكرناه آنفاً من دون أن نُفنده لئلا تحضر الروائح الكريهة منه، باعتباره مقزّزاً، ولا يَرى لبنانياً غيره حتى ولو كان يشبهه سياسياً. وآخر مبتكراته دعوة السفراء والخبراء والأُجَراء معاً إلى القضاء على الطائفة الشيعية بسبب حزب اللهُ المقاوم الذي.. لا وقت لنسترجع بعض مدائح جان فيه والتي لم ينشف حبرها.
جان، يا جان ولستَ عزيزاً، لا أملك إلا هذين السطرين من أغنية كلثومية لأخبرك ما لن تعرفه من غيري، بهذا الوضوح، وتلك الشفافية، وبذاك التحدّي والتصدّي، ولا بأس بالتعدّي:
.. وعايزنا نرجع زي زمان؟
قول للزمان إرجع يا زمااااان.
… لا بإسرائيل وجيشها، ولا بالولايات المتحدة ورُغامها، ولا بالأبالسة العرب، ولا بنُظَرائكم اللبنانيين. نحن أهل الأرض والمدن والقرى والبلدات والجبال والوديان والهواء الصافي والناس الطيبون والسلاح الذي حرر الوطن من أعدائه لكنه رحمَكُم مع أنكم كنتم وما زلتم مع الإعداء الذين توزّعوا شرقاً وغرباً وبين ظهرانينا.
ونحن لسنا وحدنا. معنا لبنانيون موارنة ولا أصدق، وروم ولا أوثق، ودروز ولا أخلَق، وسنّة ولا أعمق، مؤمنون بالحق وقد خذلتموه، وبالعدالة وقد شرشحتموها، وبالجَمال وقد بشّعتموه ليصبح شَرّابة خُرْج على جِمال سائبة لا زلتم تسمونها دولة.

أما الندّ لك في هذا المقال نوال برّي، فلن تأخذ مني ومنك وقتاً. لكنني اخترتها لأنها ربما تعتبرك مقياساً للترقي. ومع أنها تحمل صفات تؤهلها للسباق معك مستقبلياً، إلا أنها لن تجد في مكان، ما تجده أنت بطائفتك ونجومها الخمس. هي اليوم في مرحلة النطّ التي اعتمدتَها أنت طويلاً. وربما سيكون مطلوباً أن تنوّرها حتى لا تتدندل كما تدندلتَ أنت هنا وهناك وهنالك وهونيك وهون!

تكريم الدفعة الرابعة من سجناء تدمر
عندما يخطئ السياسي يسقط.. هفوةٌ واحدة تُنهي مسيرةً بأكملها
النقل العام أولًا.. والحاجة إلى التوازن بين أعداد السيارات ومساحات الطرقات
الأهبل
بين صعود البديل وهاجس الترحيل.. ماذا ينتظر السوريين في ألمانيا؟
المال المحلي والمهاجر أولى بتصدّر قائمة الاستثمارات الموعودة
الدكتور نور الدين الأتاسي.. حين دفع الوطن ثمن موقفه
مكافحة التدخين بين التشريع المتكرِّر والتنفيذ المتعثِّر
العلم والعمل.. طموحان متلازمان
دروس من لينين وكهربته لروسيا
الثقافة الإنتاجية.. من صناعة الوعي إلى صناعة المستقبل
هل حان موعد إغلاق ملف تبديل العملة؟.. رؤية لضمان انتقال آمن بين النقد القديم والجديد
التاجر والرقابة التموينية والمواطن.. ثلاثية لا تستقيم إلا بالأخلاق
خليل معتوق.. الحاضر الذي لا يغيب
العلوية وإشكالية الانتماء الديني