النهب
2025.11.14
د. ناديا خوست
شغل الباحثين نهب الثروات الإفريقية، قبل صحو شعوب القارة السوداء. ولا يزال الصراع على ثروات العالم يعتمد وسائل شريرة، منها ابتكار مجموعات إرهابية تهاجم جيوشها، وتنظيم مذابح فيها، لاقتسامها بين الشركات.
استناداً إلى تلك الأبحاث، وما نشر عن نهب أمريكا اللاتينية، وما عاصرناه من غزو العراق وليبيا، استنتجنا أن الرد على النهب يشترط جمع الناس في أحزاب أو منظمات تنشر ثقافة سياسية لإنجاز الاستقلال. في هذا السياق، زهونا بأن التاريخ الوطني السوري سجل أن الأسواق التي كسر عسكر الانتداب الفرنسي أقفال مخازنها خلال الإضراب الكبير لم تُنهب، فالحرامية تساموا بثقافتهم السياسية إلى موقف وطني. وخلال التضامن مع مصر أيام العدوان الثلاثي لم نسجل أن أحداً من المقاومة الشعبية استخدم سلاحه في نهب. زهونا بالأخلاق؟ نعم! لأن التربية يومذاك كانت تثبّت احترام الملكية العامة، ومنها السمعة الوطنية، وتعلّم احترام النهر والبيت والشجرة والبستان.
لكننا منذ سنوات صرنا نلاحظ سرقة حجر من سور حديقة أو خشبة من مقعد فيها، أو بلاطة من رصيف، أو سماعة تلفون عام. ننفر من ذلك، ونقول: صارت لدينا غوغاء! والغوغاء تظهر عندما ينحسر نفوذ الأحزاب التي توجه الجماهير في نهج تكسب به حقوقها الوطنية والاجتماعية. وتظهر عندما تضعف المدارس ويغيب أثر المعلمين في التلاميذ. وتظهر عندما تتسع المسافة بين الحاكمين والمحكومين ويسطو بعض الحكام على المال العام. فيصبح جزء من المحرومين غوغاء تستغل كل فرصة للنهب.
بالرغم من هذا الاستنتاج، ذهلنا يوم عرضت الصور نهب القصور العراقية. وكان المراسلون يقصدون أن يظهروا النهابين الذين يحملون نتفاً مما أبيح لهم نهبه. بينما كان الغزاة مشغولين بالذهب المخزون في البنك المركزي، ومافيات الآثار مشغولة بنهب المتاحف، والعصابات المنظمة تحرق مخطوطات وزارة الأوقاف، وتكسر المخابر الجامعية.
تذكرنا عندئذ الأفلام الوثائقية عن ثورة أوكتوبر. نهب الجنود ما تيسّر لهم خلال اقتحام قصر الشتاء، لكن قادتهم ألزموهم بأن يفرغوا جيوبهم منها لأن القصر وما فيه ملك الدولة. مثبّتين الحدود بين إسقاط النظام، وحماية المؤسسات والكنوز الفنية التي تملكها الدولة. فبقيت كنوز قصر الشتاء سليمة، وأصبح متحفاً كبيراً ثميناً ثقف الأجيال.
لذلك احتفينا بأن سقوط النظام المنصرف كان كتسليم واستلام، فحمى البلد من كارثة الدماء والنهب. وأفرحنا أن يسلَم متحف دمشق بفضل حراسه وأن يكافؤوا على شجاعتهم. ثم أذهلتنا بعض التفاصيل التي كُشفت فيما بعد. منها نهب الطقم الصدف والحواسيب من دار الاوبرا. ونهب اللوحات من وزارة الثقافة. ونهب بيت الرئاسة. وتمزيق مجموعة مسلحة اللوحاتِ في متحف اللاذقية.
هل نشعر بالخيبة، أم بالعتب على المواطنين الذين مارسوا النهب؟ أم نتأمل ضعف النفوس أمام إغراء الكسب؟ أم نتوجس من العودة إلى أخلاق ما قبل الدولة، إذا أضفنا إلى ذلك الاندفاع في لغة الحقد، وتصنيف الناس على أساس المذاهب والطوائف؟ يعيد إلينا الثقة بالأكثرية التي تتميز برحابة التسامح الشامي، وصِفة الشهامة، الحدث الآتي:
التقط المخرج التلفزيوني زكريا الطيان من الشارع قرب بيت الرئاسة ليلة سقوط النظام لوحتين ثمينتين، إحداهما لفاتح المدرس والثانية لعمر حمدي الذي عرضت لوحاته في أوروبا باسم مالفا. كتب هذا الرجل الشهم وقتذاك على صفحته في فيسبوك أنه وجدهما، عارضاً تسليمهما للمعنيين بالفنون التشكيلية. فلم يأته جواب. يبدو أنه بحث طوال أشهر عن فنانٍ ثقة يقدرهما ويوصله إلى شخصٍ في وزارة الثقافة ليسلمه اللوحتين. من شخص إلى آخر وصل إلى الفنان عصام درويش صاحب صالة عشتار الذي وضح أن اللوحتين أصليتان، واتصل بمعاونة السيد وزير الثقافة السيدة لونا رجب. أمس أعلنت المعاونة استلامهما وثبّتته بمحضر.
يستوقفنا أن ثمن اللوحة منهما يقدر بخمسين ألف دولار تقريباً. وأن السيد الطيان والفنان درويش يعرفان ذلك، ولم يستغلا أن أحداً لن يسأل عما نهب. فهل تسليم اللوحتين احترام لملكية ثقافية عامة، فقط؟ أم هو شعور رفيع بالمسؤولية عن عمل ثمين؟ أم هو تنبيه لنا، في خضم صاخب من الصغائر، إلى جوهر الأكثرية الهادئة التي تحمي ملكية عامة دون أن تسقط في إغراء النهب؟ ويضع الخيار أمامنا بين أن نكون من الغوغاء النهّابة المتدثرة بحجة الانتقام من النظام، والعصابات التي سرقت التماثيل من المتحف الوطني أمس، أو أن نكون من السوريين الغيورين على ثروات الدولة.