كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من جعبة الذاكرة.. ليتنا لم نفعل

معن حيدر

مع بداية العام الدراسي في أيلول عام 1962 سكنّا في دمشق، بعد أن انتقل والدي إليها بحكم عمله في السلك القضائي، حيث التحقتُ في الصف الثالث الابتدائي.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى 8 آذار 1963 شاركتُ بثلاث مظاهرات صغيرة ومظاهرة كبيرة.
كانت المظاهرات الصغيرة تبدأ في كل مرة بتجمّع عدد كبير من المتظاهرين والطلّاب من مدارس أخرى أمام سور مدرستنا يهتفون: إضراب إضراب إضراب
فكانت الإدارة تصرفنا مع توصية أنْ نذهب إلى البيت مباشرة.
ولكنّي في أوّل إضراب سرتُ مع المتظاهرين، وهتفتُ معهم، كانت هتافات لمطالب معيشية، ثم لم يلبثوا إلا أن تفرّقوا، ولمّا عدتُ إلى البيت أكلتُ نصيبي من تأنيب الوالدة، وكزكزة الأسنان والتهديد (هلأ بيجي أبوك..).
أمّا المظاهرة الكبيرة فكانت للتنديد بحكومة ما سُميّ بـ(الانفصال)،
سمع عنها أخي الأكبر قبل يوم فخرجتُ وإيّاه للمشاركة بها، وقد بيّنتْ الأحداث اللاحقة أنّها كانت حكومة وطنية بامتياز.
وأقول اليوم.. ليتنا لم نفعل
كانت مظاهرة حاشدة تجمّعتْ في ساحة قصر الضيافة، وكانت تهتف بشعارات وأغاني الوحدة وأقوال عبد الناصر، وكان بعض المتظاهرين يرفعون أعلام الوحدة وصور عبد الناصر.
وقد لفتَ انتباهي سيّدة كانت تقف أمامي تلبس علم الوحدة كثوب، وكانت متحمّسة جدا بالهتافات والتصفيق.
عرفتُ فيما بعد أنّها السيدة ثريا الحافظ، وكان زوجها صاحب ورئيس تحرير جريدة بردى (من آل الحكيم)، وكلاهما من العائلات الدمشقية العريقة.
انفضّتْ المظاهرة بعد تدّخل الشرطة بإبعاد المتظاهرين بأيديهم، ثم استُخدمتْ لاحقا سيارات الإطفاء لرشّ المتظاهرين على أرجلهم.
يومها انحصرنا مع مجموعة من المتظاهرين في إحدى زوايا الساحة، ولم نستطع أنْ نفلتْ إلا بعد أنْ تبلّلنا بالمياه (تأمْأَمْنا أمْأمْة) كما يقولون.
وكانت تلك آخر مظاهرة خرجت في سورية حتى عام 2011، حيث ابتداءا من 8 آذار 1963، ما سُميّ بـ (ثورة آذار المجيدة)، صار هناك نوعان من التظاهر:
-المظاهرات: وهي ممنوعة لأنّها معادية لـ(الثورة) وأهدافها في الحريّة والتقدّم، تعدّدتْ أسماؤها: رجعيّة، بورجوازيّة، صهيونيّة، امبرياليّة، إرهابيّة.
-والمسيرات: وهي مدعومة بلا حدود لأنّها مؤيّدة (للثورة) وأهدافها
وكانت تحدثُ غبّ الطلب، عند المناسبات القومية والوطنية، وما أكثرها، وعند الملمّات والأحداث الطارئة.
والطريف في الموضوع أنّ كل تلك المسيرات كانتْ (جماهيريّة وعفويّة) رغم أنّه كان يُبَلّغ عنها، قبل أسبوع على الأقلّ، للدوائر الحكومية والمعامل والمؤسسات والمنظّمات الشعبية.
ويطلب من الجميع الحضور تحت طائلة...
أما الإعلام، بوسائله المتنوّعة، فكان يُبلّغ قبل فترة طويلة بجداول زمنية لتلك (المسيرات الجماهيرية الحاشدة التي ستنطلق بشكل عفوي وتعمّ أرجاء سورية كلّها).
لكي يأخذ الاستعداد الكافي لتغطيتها.
ويحضرني هنا ما حصل أثناء تغطية الأحداث، والمسيرات المرافقة لكل حدث، التي تلتْ زلزال اغتيال الشهيد رفيق الحريري، حيث أُبلغنا في هيئة الإذاعة والتلفزيون عن مسيرة (غير شكل) ستشهدها دمشق، فهذه المرّة سيشارك بها أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، وسيكون تجمّعها النهائي في ساحة الأمويين.
أخذنا كلّ الاستعدادات اللازمة للتغطية الإذاعية والتلفزيونية، ركّبنا عربات النقل التلفزيوني، ونصبنا كاميراتها، على رافعات مؤسسة الكهرباء، عند مداخل كل الطرق المؤدّية للساحة: شارع بيروت نزلة الجمارك أوتوستراد المزّة (شارع الشهيد فايز منصور)، طريق الربوة، نزلة حديقة تشرين، نزلة المالكي، نزلة آمرية الطيران.
ووزّعنا كاميرات محمولة في أماكن التجمّع وفي كل الشوارع التي ستسير فيها (الجماهير).
المهم أنّ الجماهير والرفاق كانوا قد ملّوا بعد مشاركاتهم في أكثر من عشر مسيرات سابقة (خرجتْ عفو الخاطر مؤيدة الرئيس اللصّ الفار).
فما أن انطلقوا من أماكن توزّعهم باتّجاه ساحة الأموييّن حتى (شمّعوا الخيط وهربوا) إلى بيوتهم أو إلى المقاهي، ولم يصل إلى ساحة الأمويين إلا ما ندر،
فبدت المسيرة هزيلة.
طبعا استنفرت القيادة اثر ذلك، "وطلع معها أنو الحق ع" وزارة الإعلام ووزيرها، وهو "كمان طلع معو أنو الحق ع" هيئة الإذاعة والتلفزيون ومديرها،
أما المدير، وهو أنا، فلم يحمّل المسؤولية لمخرجي عربات النقل التلفزيوني بسبب فشلهم في حشد الجماهير وجلبها من بيوتها. 
الثقافة الإنتاجية.. من صناعة الوعي إلى صناعة المستقبل
هل حان موعد إغلاق ملف تبديل العملة؟.. رؤية لضمان انتقال آمن بين النقد القديم والجديد
التاجر والرقابة التموينية والمواطن.. ثلاثية لا تستقيم إلا بالأخلاق
خليل معتوق.. الحاضر الذي لا يغيب
العلوية وإشكالية الانتماء الديني
رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه