كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من هم أولئك القادرون على القتل في سوريا؟

عمار المأمون
ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”.
-----
البندقيةُ سريعةٌ كالجفن
والزنادُ الوحشي هادئٌ أمام العينين الخضراوين
القتل- محمد الماغوط (مجلّة شعر عـ 6، 1958)
----
أصدر الباحث والمحلّل النفسي الفرنسي ريشارد ريتشمان في عام 2015، كتاب “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة“، ريتشمان الذي عمل لأكثر من 30 عاماً مع الناجين من الإبادات الجماعية من مختلف أنحاء العالم، يحاول أن “يقرأ” حياة مرتكبي القتل الجماعي وتفاصيلهم اليومية، ولا نقصد القتل بشكله الجنائي بهدف السرقة أو الانتقام الفردي، بل ذاك القتل الإبادي، التطهيري، الذي يستهدف جماعة ذات “حياة” لا تستحقّ أن تُعاش.
الشهادات المتنوّعة في الكتاب وتحليلها، تُلخّص بمحاولة الإجابة عن سؤال: “من هم أولئك القادرون على القتل؟ ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”، ويشير إلى أن غيابهم العلني، أي القتلة، أو الجهل بهم “يدفعنا إلى التخيّل وبناء حيواتهم من أجل إعطاء معنى”، وعادة “ما يكون التفسير باثولوجياً/ مرضياً”.
أثناء محاولات الإجابة عن السؤال، تمرّ عبارة في مقدّمة الكتاب، على لسان ريتشمان عبارة “الأيديولوجيا لا تقتل، بل البشر”، والسؤال عن هوّيات “هؤلاء”، يفسّر عنوان الكتاب الذي لا يبحث في الأيديولوجيا أو الأمراض النفسية، بل يوظّف مفهوم “الحياة اليومية” لفهم أولئك الذين يقتلون دون أن يرتجف لهم جفن، ولا نقصد الانغماسيين، بل من يقتل، ويعود لـ”يتابع حياته”، لكنّ السؤال نفسه يفتح الباب على تقسيم بين “نحن الذين لا نقتل”، و”أولئك الذين يقتلون”، وكأن “نحن” ذات خصائص أو تكوين فكري/ عاطفي/ لغوي، لا تجعل خيار القتل الجماعي حاضراً في تصوّرهم عن العلاقة مع الآخر.
----
القتل الذي يمارَس بحقّ جماعات سورية عبر حشود مسلّحة، هو الأشدّ تمكيناً لسطوة التشابه، يُفني “الآخر” ويحقّر من بقي حياً عبر حيونته عواء، ونزع إنسانيته استكلاباً وخنزرة، أي يُباح قتله لأنه” لا يُشبهنا”، لكن نعود للسؤال، من هم هؤلاء القتلة؟
---
الوحش/ القاتل يتجاوز أساليب التعاقد الأيديولوجي والوطني، وهذا يتّضح بدقّة في تسجيل الإعدام الميداني الشهير في السويداء، حيث سأل القاتل ضحيّته “أيش يعني سوري؟”، ضرب السؤال قبل القتل عمق الانتماء والهوّية الوطنية السابقة واللاحقة، والمرعب، أن الآخر الضحيّة لم يكذب لينجو بنفسه، لم يختر الجواب الأسلم، بل اختار ما يمكن أن يجمعه مع من يوجه إليه، سوريا!
خيار الضحيّة السابق، يدفعنا إلى إعادة النظر بعبارة الفرنسي ألبير كامو”لم أرَ أحداً مات من أجل إشكاليّة أنطولوجية”، في إشارة إلى حقائق الكون الكبرى ككروية الأرض أو تسطيحها، لكن وفي سياق القتل في سوريا، هل سؤال “أيش يعني سوري؟” سؤال أنطولوجي؟ والتباس الإجابة قد يؤدّي إلى القتل؟ نعم، لأن الجدل لم يكن حول هل هو سوري أو غير سوري، بل هل تُشبهنا أم لا تُشبهنا؟ هل ولدت خنزيراً أم أموياً؟
----
من هم هؤلاء الذين يُشبهون السلطة؟ هنا نرتجل، هم رجال أذاب التستسترون عقولهم، يخطفون، يشتمون، يبصقون، يضربون، ويقتلون، بسطوة الذراع والساعد وأحياناً السيف والبندقيّة، لا يُحدّث هؤلاء ضحاياهم وجهاً لوجه، بل يُذل القاتل “هدفه” على ركبتيه، يحدّق من أعلى بالتوازي مع عدسة الكاميرا، هي تعابير عن القضيبية الموتورة، تطبيق عملي للتحديقة الذكورية.

لا يرى القاتل “الآخرين” إلا كموضوعات للعنف: خنازير، كلاب، شلكّات، كيوت، هؤلاء هم الذين لا يُشبهون “السلطة”، ذكورة تشتدّ تحت اسم “الدولة” ودفاعاً عنها، رجال مفرطون في رجولتهم، بعضهم لا يمسّ النساء، وآخرون يخطفونهن متاعاً، وكلّ هذا بتواطؤ “الدولة”، عنجهية العنف والقتل تغذّي هذا المتخيّل الفحولي، الذي يمكن القول إنه بدأ منذ أوّل يوم لسقوط النظام، وإلا ما تفسير ركوب الأحصنة في ساحات دمشق وحلب!

المرعب أن بعض القتلة، لم يكونوا ينفّذون “الأوامر”، بعضهم “فزع”، أي تصرّف من تلقاء نفسه، قرّر خوض البادية السورية لا لشيء سوى للقتل والتطهير، جغرافيا الرحلة نفسها تتكشّف في الفيديوهات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، القتل لم يكن وليد انفعال عاطفي، بل قرار امتدّ ساعات، وأحياناً أيّاماً للوصول إلى “الآخر”، لم يكن قتلاً للدفاع عن النفس، بل قتل تطهيري، يتجوّل بين المدن السورية ويبثّ مباشرةً لنا.

وثّقت التحقيقات الاستقصائية وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي هوّيات القتلة، لكن هل نعرفهم؟ هل نألفهم فعلاً؟ أم استوحشوا؟ والوحشة هنا من المجهول، السؤال قد تكشف الإجابة عنه التناقض بين اليومي والإبادي، وجوابه في الحالة السورية واضح، كون القتلة أنفسهم يعرّفوننا بأنفسهم في سياق القتل ذاته، “التنكّر” المستخدم كالقناع أو زيّ الأمن العامّ، أو عناصر الجيش، وغيرها بلا جدوى، كون القاتل يظهر في صورة سيلفي، هو اختار أن يلتقطها في بعض الأحيان، نحن أمام صورة  للقتل مكوّناتها: “وجه القاتل، وجه الضحيّة، السلاح”، معادلة للرعب والفزع، واختزال القتل في لحظة تتطابق فيها فتحة الكاميرا مع فتحة البندقيّة.

 المرعب وما يهدّد “الجميع” هو تساهل سلطات دمشق مع القتلة، وظنّ الكثير من “المتفائلين” بالسلطة الجديدة أن المشكلة قضائية أو قانونية، لكنّنا أمام مشكلة “سلطة”، تلك التي لا تحتكر السلاح، ولا تحوي بيروقراطية قرار، بل رسائل تليغرام، وهي تُطلق العنف وتتركه لهوى حاملي السلاح وفزعتهم.

السلطة إذاً، تُدير التوحّش، ترسم قنوات تفريغ العنف وتوجيهه، لا تضبطه أو تحدّ منه، بالتالي هي لا تمارس سلطتها على السلاح، هي أشبه براعٍ، يحاول ضبط تحرّكات القطيع دون السيطرة كلّياً عليها، يوجّهه حيث عليه أن يجترّ الأرض وما عليها، والمجاز هنا، واقعي، حيث تسبّب الرعي الجائر في تهديد الأمن الغذائي في سوريا بعد انفلات الرعاة في أراضي سهل الغاب!

يعود قتلة سوريا لممارسة حيواتهم اليومية، يركبون سيّارتهم، يأكلون، ربما لبعضهم زوجة/ زوجات وأطفال، إيقاع اليومي، والمبتذل يتداخل مع إيقاع القتل، كلمة “وحش” بمعناها السياسي لا تنطبق، ولا تصوّر مجاهدين في كهوف خارج الحياة المدنية ينفع، نحن أمام قتل صرف يستهدف الأرض، إبادي، لا لأجل البناء، بل لتعطيل أسباب الحياة ومنعها،  فمن يقتل، يتراجع، لا يستقرّ أو يحتلّ، بل يترك الأرض لمن نجا منها وللمقابر الجماعية!

الثقافة الإنتاجية.. من صناعة الوعي إلى صناعة المستقبل
هل حان موعد إغلاق ملف تبديل العملة؟.. رؤية لضمان انتقال آمن بين النقد القديم والجديد
التاجر والرقابة التموينية والمواطن.. ثلاثية لا تستقيم إلا بالأخلاق
خليل معتوق.. الحاضر الذي لا يغيب
العلوية وإشكالية الانتماء الديني
رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه