جينات
2025.05.06
خالد نعمة
من أسخف الأفكار التي تساق لتبرير الاستعلاء على الآخرين، وأكثرها ابتعاداً عن الحقيقة والعقلانية، هي مسألة التنابذ بالنقاء العرقي، واستخدام هذه الموضوعة لاختلاق تميز غير موجود أصلاً.
ولم يكن هذا الأمر حكراً على النازيين وعرقهم الآري المبتدع، فقد سبقهم إلى ذلك كثيرون، وأتت بعدهم جمهرة لتفعل فعلهم، وسيظل أمثال هؤلاء يظهرون بين فينة وأختها.
بنو أمية جماعة ظهرت في مرحلة تاريخية، ثم بادت على يد أولاد عمومتهم العباسيين، الذين بادوا أيضاً على أيدي المغول.
صحيح أن هناك من الأمويين من هرب إلى الأندلس، وشكل إمارة هناك ثم خلافة، لكن ذلك أيضاً صار في عهدة كتب التاريخ، فقد دالت دولتهم أيضاً، مثل أخريات سبقنها إلى الزوال.
المضحك في الأمر بشر معاصرون يفصلهم عن أقرب أموي صارت عظامه مكاحل عشرة قرون، لكنهم يعدون أنفسهم امتداداً لتلك السلالة المنقرضة، مع أنه لو حللنا جينات هؤلاء البشر لوجدنا أن ما يوجد من جينات أموية في تركيبتهم البيولوجية لن يزيد على الصفر إلا نزراً يسيراً، هذا إن وجد.
حسب الدراسات العلمية الدقيقة الحديثة، فإن التركيبة الجينية لدى الشعب السوري تضم مزيجاً من السلالات الجينية، التي تسود فيها السلالة الجينية R1b المرتبطة بالهجرات من الأناضول وأوروبا، وتشيع فيها السلالة الجينية J1 ضمن بعض المناطق والمرتبطة بهجرات عربية وشرق أوسطية، كما تنتشر بينهم السلالة J2 التي ترتبط بهجرات من مناطق الشرق الأدنى والأناضول.
سوريا الحالية عبر التاريخ كانت ممراً لغزوات واجتياحات من جيوش وشعوب كثيرة، فقد عاش فيها آراميون وكلدان وآشوريون وبابليون وفينيقيون وعبرانيون، واستوطنها هيلينيون ورومان، وفتحها عرب، وحكمها سلاجقة وأكراد وأتراك ومماليك، وهاجر إليها قوقازيون وأرمن، واستباحها مغول وتتر، وذاب في مجتمعاتها المتلاحقة عبيد وإماء بيض وسود من مشارب شتى استجلبتهم جيوش الخلافة الغازية لبلدان مختلفة تحت مسمى الفتوحات العربية الإسلامية.
هذه الأحداث التاريخية لم تمر دون أثر، بل تركت بصماتها المتميزة جينياً، وأنتجت شعباً مبندقاً لكثرة ما حصل فيه من اختلاطات بين شعوب وأقوام مختلفة، وإلى درجة يمكننا فيها أن نهمل الأثر الأموي المتبقي فينا، ونعده وكأنه لم يكن لشدة ضآلته جينياً على الأقل.
رسالتي هذه موجهة إلى المعتزين بأمويتهم دون سواها، فعساهم يعقلون.