العامل الداخلي هو الأساسي
يعقوب كرّو
هذه آخر افتتاحية لي في جريدة النور وقبل نحو خمسة اشهر من بدء الحراك الشعبي السلمي في سورية
العامل الداخلي هو الأساسي
يعاني العديد من ساحات منطقتنا حالات توتر متفاوت الشدة، في حين تعيش ساحات أخرى منها على فوهات براكين تهدد بانفجارات مدمرة من كل شاكلة ولون.
والقوى الخارجية الطامعة في الهيمنة على ثروات المنطقة والتحكم بموقعها الاستراتيجي المتميز تسعى، وفي مقدمتها المحتل الإسرائيلي، لاستغلال التربة والظروف الداخلية المناسبة في هذه البلدان، لنشر بؤر التوتر الطائفية والمذهبية والعرقية بما يمهد لها تحقيق أهداف لم تعد خافية على أحد.
عشرات الأقنية الفضائية المجلببة بأردية دينية، والدين منها براء، لا تكف ليلاً نهاراً عن نفث سموم الجهل والكراهية والأحقاد الطائفية العمياء صابّة الزيت على المشتعل من نيران بعضها وساعية لتحريك ما لا يزال جاثماً منها تحت الرماد.
لقد تعلمنا منذ الصغر وحذرنا دائماً من أن السياسة التي درج عليها الاستعمار القديم لتحقيق أغراضه في السيطرة هي سياسة (فرّق تسد) المعروفة، وواضح أن قوى الاستعمار الجديد والهيمنة الإمبريالية الجديدة، وفي مقدمتها الإمبريالية الأمريكية، مارست وتمارس اليوم وتنفذ هذه السياسة نفسها بأشكال وأساليب أكثر خبثاً.
ولكن ما نريد التوقف عنده والإشارة إليه هو ما يجري أحياناً من مبالغة في دور العامل الخارجي وكأنه العامل الوحيد بهدف تعليق كل الأمور على مشجبه وإخفاء مسؤولية العامل الداخلي في توفير التربة والأرضية المناسبة لفعل العامل الخارجي، وربما حتى في إغرائه بالتحرك واستدعائه للفعل والتحول إلى عامل حاسم ومقرر.
لسنا نكتشف البارود إذ نؤكد الحقائق التي أثبتتها وتثبتها الحياة بأن ضمان حرية الأوطان واستقرارها ووحدتها وتقدمها منوط إلى حد كبير بل وعلى نحو حاسم بمدى ضمان حرية الإنسان فيها وتعزيز روح الانتماء للوطن وجعله فوق كل انتماء آخر. أما سعي الأنظمة الطائفية والشمولية والمستبدة لفرض إرادتها وشريعتها على مجتمع فيه فسيفساء من التلاوين الدينية والمذهبية على غرار الحال في السودان الشقيق، فكان لا بد لهذا السعي أن يستدعي من تاريخ هذا البلد البعيد والقريب كل مظاهر الانتماءات ما قبل المدينة ومن ردود فعل طائفية ومذهبية وعشائرية بل وحتى عائلية، لتحل محل الانتماء المفقود للوطن. ونحن اليوم شهود عيان على النتائج المأسوية والاحتمالات الخطيرة التي يمكن أن تترتب على هذه السياسة، وهو ما جرى التحذير منه منذ البداية ولكن دون جدوى.
ثم هل يمكن للسياسات الاقتصادية التمييزية والممارسات العشائرية المتخلفة التي يعانيها، مع الأسف، الشعب اليمني الشقيق وقواه السياسية الديمقراطية، أن تؤدي إلى غير ما أدت إليه من أحداث دموية ونتائج كارثية نتابعها بألم شديد، ومن مخاطر تفتيتية تهدد وحدة الوطن الواحد؟
وهل يمكن تجاهل مسؤولية النظام الصدّامي الأرعن الذي ارتكب ما ارتكبه من جرائم ومجازر ضد شعبه، وشن حروباً مجنونة ضد جيرانه ارتدّت وبالاً على الشعب العراقي الشقيق، فبل غيره، وعلى المنطقة بأسرها، وسهّل للمعتدي الأمريكي مهمة تنفيذ مخططه المعد مسبقاً لغزو العراق واحتلاله.؟ وكلنا يعرف أن (باكورة إنجازات) هذا الغازي المحتل كانت تدمير مؤسسات الدولة العراقية وبناها التحتية وجعل المحاصصة الطائفية سياسة رسمية معتمدة ومقرّة.
لن يكون مستغرباً أن يتدخل العامل الخارجي بكل قواه وإمكاناته للتصيد في المياه العكرة التي غالباً ما يكون قد أسهم في تعكيرها، وللنيل من المجتمع المصاب في مناعته.
ونحن إذ ندرك بعمق دور العامل الخارجي وخطورته وندعو للحذر منه والنضال بحزم ضده، فإننا نرى ضرورة الانتباه في الوقت نفسه إلى الدور الخطير الذي يمكن أن يلعبه العامل الداخلي في تسهيل مهمة العامل الأول. وقد علمتنا الماركسية وأكد منهجها الجدلي أوّلية العامل الداخلي الذي قد يصبح حاسماً في ظروف معينة. وقد جاء انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي بعد أكثر من سبعة عقود على قيامها دليلاً مادياً مأسوياً على الأهمية الحاسمة لهذا العامل الذي تجسد بخاصة في غياب الديمقراطية في الحزب الواحد نفسه وفي المجتمع، ما أدى، على الرغم مما تحقق من إنجازات كبرى في الكثير من مجالات العلوم والثقافة والبناء وموازين القوى الدولية ودعم حركات التحرر الوطني، إلى حرمان التجربة نفسها من القدرة على التجدد اللازم والمطلوب، وذلك بسبب ما جرى من شل عملي لطاقات القوى الحية في الحزب نفسه، ناهيك بالمجتمع، عن أداء دورها المطلوب في ملاحظة الأخطاء في الوقت المناسب والعمل على إصلاحها واقتراح ما يلزم من تطوير في الفكر والسياسات وفي عمل الحزب وممارساته. وهذا ما أدى إلى ترهل الحزب نفسه وانتشار البيروقراطية والفساد في صفوف قياداته بخاصة، وإلى إصابة مؤسسات الدولة والمجتمع بنقص مناعة خطير سرعان ما ظهرت نتائجه المهلكة.
الحياة والتجربة تؤكدان أن جراثيم الفتن الطائفية لا تنتشر إلا في ظروف التخلف والظلامية، والشكل الأمثل للنجاح في التصدي لها وفي إبعاد أخطارها، وقطع الطريق على من يعمل لإشعال حرائقها، هو في نشر المعرفة والسير الحازم على طريق الدمقرطة وتعزيز مفهوم المواطنة واعتماد سياسة التنوير والعلمانية التي جسدها على أفضل وجه شعار (الدين لله والوطن للجميع) الذي خاضت شعوبنا نضالاتها المظفرة موحدة تحت رايته وحققت استقلالها الوطني وواصلت هذا النضال تحت هذه الراية نفسها لحماية هذا الاستقلال من كل أشكال التآمر ضده.