من التبعات المتعبة لسجن تدمر سيء الذكر
2025.01.30
خالد محمد جزماتي
من مذكرات وزير الدفاع السوري الأسبق العماد أول:
مصطفى طلاس 1932-2017
هو من دورة حافظ الأسد التي تاريخها يبدأ من خريف عام 1952... ولكن الأسد بقي متابعا في الكلية الجوية بحلب، فيما طلاس ألتحق بالكلية الحربية بحمص لعدم اللياقة كطيار..
في مذكراته ذات العنوان "مرٱة حياتي" كتب في الصفحة 32 عن نفسه ما يلي:
والدي هو المعلم الأول
"كان والدي هو المشرف على تربيتي وتوجيهي وعلى بناء الثوابت في شخصيتي قولا واحدا.. ومع أن شخصيته كانت قوية لدرجة تقرب من الطغيان كنت أنا الوحيد من بين أخوتي الذي يجروء على مخاطبته.. لا لأني آخر عنقود في الدالية، ولكن لأنه كان يتنسم بي بعض ما يحب..
وأذكر على سبيل المثال أنه لما بلغت الخامسة دفعني إلى بيت الكتاب الذي كان يشرف عليه الشيخ محمد بن أبي سعيد.. وخلال شهرين فقط حفظت القرآن وقاطعت الشيخ فلم أعد أذهب لكتابه.. وسألني والدي في ذلك فقلت:
خلص أبو سعيد وما بقي عنده جديد..
وكتم الوالد ضحكة في الداخل كنت أسمعها من عينيه وقال:
غدا أرنا براعتك في المدرسة عند المعلمين الخمسة.
ودخلت مدرسة الرستن الإبتدائية في أول السنة الدراسية 1938-1939".
انتهى النص
أرأيتم قدرته الخارقة، فقد حفظ القرآن الكريم خلال خمسة أشهر، وعمره خمس سنين.. فقد سبق الامام الشافعي رضي الله عنه!...
لن أسترسل في التوصيف، فأحرار تدمر هم أدرى الناس بحفظ القرآن الكريم من مختلف الناس الذين يمثلون كافة الإمكانيات التى وهبها الله للبشر..
هذا الرجل الوزير كان عوناً لحافظ الأسد طوال اثنين وثلاثين عاما حكم البلاد بالقهر والعدوان ثم ورث الحكم للهرة التي هربت بأبشع صوره..
أما أنا فقد تم إخلاء سبيلي ضمن قائمة تضم 600 سجين بتاريخ 2000/11/16.. وفي العام 2001 بدأت بالسفر إلى دمشق في محاولة رفع الحجر عني، فنجحت في ذلك.. ثم تابعت لطي فقرة التجريد من الحقوق المدنية بهدف الحصول على راتبي التقاعدي.. وأيضا العمل على الالتحاق بدائرة الإرشاد البحري للعمل كمرشد بحري في بانياس بعد اتباع دورة لثلاثة أشهر، فقابلت مدير مكتب طلاس اللواء عصام ناصيف خير بيك وهو متقدم لدورتنا البحرية وصديق قديم فحاول مساعدتي في الحصول على أمر من وزير الدفاع مصطفى طلاس.. ولما حصلت على الأمر قدمته للمحكمة الميدانية الأولى، لكنها لم تنفذ أمر وزير الدفاع الحافظ لكتاب الله.. ماشاء الله حوله....
ثم حاول صديق الدراسة المحامي المرحوم عبد الرحمن فرزات، وكان صديقا لوزير الدفاع وكان قد شغل سابقا منصب سفير سورية في جمهورية تشيكوسلوفاكيا لمدة عشر سنوات ولما عزلوه عاد إلى دمشق ودرس الثانوية العامة مرة ثانية، فحصل عليها ثم تابع دراسة الحقوق ولما حصل عليها تدرب سنتين وأصبح محاميا.... المهم حصل لي المحامي عبد الرحمن فرزات على أمر خطي صريح من وزير الدفاع فيه يأمر رئيس المحكمة الميدانية الأولى بطي فقرة التجريد من الحكم وبذلك أستطيع ممارسة حياتي كأي مواطن.. وحصلت على نسخة من القرار وبه حاولت مراجعة ديوان المحكمة في مقر القوى الجوية بدمشق.
ولما وصلت إلى كشك القوى الجوية، وقابلت الرقيب المسؤول عن كشك وطلبت الدخول الى مقر القيادة منعني واتصل بذاتية المحكمة، فخاطبني عبر الأنترفون مساعد الذاتية قائلا لي:
سيادة المقدم صباح الخير.. أنا أحترمك من دون معرفة.. فضحكت مع نفسي لهذا الخطاب.. وتابع.. أنا أنصحك أن لا تعذب نفسك وتبحث عن واسطات للمحكمة فلن تستجيب لك.. عليك أن تمضي سبع سنين بعد إخلاء سبيلك.. هذا إذا قعدت آدمياً، فإذا جاءت التقييمات من المخابرات بأنك لم تقعد آدمياً، فيمدد الانتظار لطي فقرة التجريد من الحكم المؤبد إلى خمسة عشر عاما.. فقلت له، ولكن هناك أمر من وزير الدفاع بطي فقرة التجريد من الحكم! فقال لي لم نتلق مثل هذا الأمر.. وربما استحى أن يقول: انقعها واشرب ميتها..
وأجمل الأشياء في حياتي أني غبت عن ابنتي الدكتورة منى وأختها أستاذة اللغة الفرنسية أكثر من عشرين عاما وهما طفلتان الأولى عمرها سبع سنوات والثانية سبع سنوات وعدة أشهر.. ولما خرجت من السجن كان اللقاء حميما.. وذلك أغنى الغنائم..
أخيرا: أقول إني تعذبت كثيرا في عام 2001 من السفر إلى دمشق من أجل تسوية وضعي مع الدولة، ولكن نخوة أصدقائي القدامى أبهرني فكانوا عونا لي، وأخص بالذكر الصديق الدكتور عبد المعين الشواف واالدكتور المحامي منير الشواف والمهندس المرحوم أحمد الأسود والصديق المهندس ناصر الجابي وصديق العمر المهندس المرحوم مروان الرأس والصديق المرحوم هنيدي طيفور والصديق الصحافي والكاتب نصر شمالي والصديق المرحوم مصطفى دباغ والصديق الدكتور ثائر الدوري والصديق المحامي نصير حوراني وزميل الدراسة مارسيل كربوج وأمجد كلاس.. ولا أنسى صهري صاحب النخوة في طرطوس خلدون طرابلسي ورجل الأعمال في طرطوس عبد الحليم الكردي والمرحوم الشهيد هشام هيكل والمرحوم رجل الأعمال سالم طرابلسي والمرحوم العميد البحري عبد الكريم الحاج والمرحوم العميد البحري بولس فرح والمحامي محمود يونس.
وشباب ٱل الجزماتي وأبناء أخوالي من ٱل أبوطوق الرفاعي.. وكثير من الأقارب والأصدقاء.
أخيرا لابد من ذكر الرجل الرائع قريبي العميد المتقاعد توفيق شفيق شكري الذي كان عونا صادقا لي أثناء خدمتي في الجيش وعندما كنت في السجن وأيضا عند خروجي من السجن وحتى كتابة هذا المقال.. أطال الله في عمره.