وطن
2022.09.26
باسل علي الخطيب- فينكس
تؤرقني الأمور التي لا أستطيع فهمها، تؤرقني الأسئلة التي لا أجد الإجابة عليها.....
أكثر من ساعة و أنا أحدّق إلى صور بعض ضحايا الزورق اللبناني، أحدّق علّي أجد في تلك العيون بعض الاجابات.....
ترى لماذا يخاطر أب بعائلته، زوجته وأبنائه في هكذا جنون؟.... دافعاً مبلغاً كبيراً من المال، لماذا تختار هذا الدرب صيدلانية شابة هذا الجنون؟ لماذا يختاره خطيبان، مهندس ومهندسة، ينبضان شباباً وجمالاً؟...
أن يذهب رجل ما لوحده، هذا قد أفهمه، و لكن لماذا النساء و الأطفال؟.....
قولاً واحداً أنهم جميعاً شاهدوا و عرفوا أن المركب قديم و متهالك، قولاً واحداً عرفوا أن المركب يحمل ضعف حمولته، قولاً واحداً أنهم قد سمعوا عن الكثير من حالات غرق هكذا زوارق. و مع هذا، و مع كل هذا ركبوا..
أي يأس كان يسكنهم وهم هنا؟ و أي أمل كانوا يرونه في نهاية طريق الرحلة؟!.
أهو الفقر؟ أهو الإرهاب؟ أهو الفساد؟....
أي ظروف تكالبت حتى أنتجت كل هذا الجنون، أن يأخذ والد قراراً أن يصطحب زوجته و ولديه في هكذا رحلة محفوفة بالمخاطر، هذا أمر يجب التوقف عنده كثيراً، هذا أمر جلل و كبير لا يجب أن يمر مرور الكرام..
ما هو الوطن؟
أهو كمشة تراب أو شجرة زيتون؟...
أهو وظيفة و منزل؟...
أهو بضعة كلمات في كتاب الوطنية حفظناها غصباً لأجل العلامة؟...
أهو تحية الصباح و ترديد ذاك الشعار؟....
أهو تلك النجمتين على ذاك العلم؟....
أهو تلك الفتاة التي أحببتها و أحبتني؟....
أهو تلك المنطلقات النظرية و الاجتماعات الحزبية؟....
أهو تلك الورقة التي اسمها شهادة، نالها إياه بعد أن بصق و أهله الدم، و من ثم علقها على حائط مهترئة في غرفة في بيتهم؟...
ما هو الوطن؟...
لن أجد تعريفاً أفضل من القول: إن الوطن هو الآمان و الأمل...
نعم، الآمان و الأمل....
كلنا نفتقد الأمان و الأمل في هذه الوطن...
بعضنا مازال يقاوم، يكذب على نفسه أن هناك غداً أجمل، بعضنا مازال يتسلح بالصبر، و الكثير منا قد استسلم، بعضهم أحرق كل مراكبه، و لم يأخذ معه ولو كمشة تراب أو بحصتين، و ركب مراكب الموت إياها، و بعضهم يتحرق ليهرب، نعم، ليهرب، هذا هو التعبير الصحيح، و إن كان قاسياً، و إن كان حاداً كمبضغ جراح، يتحرق ليهرب، و لكنه لا يملك المبلغ الكافي، أو لا يعرف الطريقة المناسبة....
ألهذا الحد وصلنا؟.....
أن نحرق كل مراكبنا خلفنا، و بعضنا مستعد لحرق حتى ذكرياته، ألهذا الحد وصلنا أن أغلبنا يريد أن يهرب؟ و فينا من قاتل سنوات يدافع عن هذا الوطن، و فينا من استشهد بعض أهله و هم يقاتلون، و فينا من لم يقصر يوماً في عمله، أنه واجب وطني، و فينا من لم يتردد ولو للحظة في تلبية نداء وطنه، سواء كان جندياً أو طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو عاملاً أو فلاحاً.....
أهو تقنين الكهرباء؟ أهي طوابير الغاز و الخبز؟ أهو فتات المعونات إياها، أهو ضيق العيش؟ أهو... أهو....
يقولون أن الوطن أم، ما به عندنا كأنه صار زوجة أب قاسية و ظالمة، ترمي بك خائفاً لتنام عند عتبة باب البيت؟ و أن ألقت لك شيئاً لتأكله، تلقي كسرة خبز، و تحملك منية كبيرة فيها.
كيف افتقدنا الأمان و الأمل؟
هل افتقدنا ذلك بقرار أم بممارسات؟
قد يقول أحدهم إياهم أنني بكلماتي هذه أوهن عزيمة الأمة، و لكن ماذا عن عزيمتي أنا، وعزيمته هو، وعزيمتها إياها، وعزيمة كل هذا الجمع الذي يعامل وكأنه قطيع؟!...
نعم، لقد لعبت الحرب دورها في أغلب ما صرنا إليه، و هي حرب أتت إلينا و لم نذهب إليها، و لكن كأنها صارت شماعة لكل تقصير، أكان الأداء يتناسب مع هولها؟... كم من فرصة مرت للتصحيح و الإصلاح و فوتناها؟ لماذا ترانا نحن الأغلبية نؤمن أننا تُركنا وحدنا، تُركنا لمصيرنا، تحملنا كل العبء، و عند اقتسام أي كعكة لا ننال حتى الفتات...
و يسمونه الوطن المعطاء؟... أي وطن معطاء هذا، و فيه نتوسل كل شيء، نتوسل فيه بقية من بقية كرامة، حتى و نحن نلوك تلك اللقمة المغمسة بكل عذاباتنا و قهرنا...
و مع كل ذلك أعلاه،..
ومع ذلك أعلاه...
لن أهرب.....
سواء عبر ذاك المركب، أو عبر الطائرة.....
كل سياط سوريا، و لا أن يربت على ظهري هناك بعض من أجرم بحق بلادي.....
كل سياط سوريا، و لا أحمل لقب لاجئ بقراري.....
كل سياط سوريا، و أن يتربى ابني أو ابنتي في تلك البلاد...
كل سياط سوريا، و لا أنجز عملاً هناك، يستفيد منه من كان سبب معاناة بلدي...
كل سياط سوريا، و لا يتشدق باسمي كل قوادي العالم....
كل سياط سوريا، و لا أخسر جذوري، فأنا لا أستطيع العيش من دون جذور.....