بكين - واشنطن الحرب أولها كلام!
2022.05.25
أحمد حسن- فينكس
للمرة الأولى تخرج الدبلوماسية الصينية عن "طورها" وحذرها المعهود وتهدّد بلداً، وليس أي بلد، بـ"البندقية".
بكين التي اعتمدت الطرق الدبلوماسية، وعبرتها على أقدام اقتصادية، للنهوض، والسيطرة والتمدّد أيضاً، ولو تحت عناوين مثل التعاون وطريق الحرير وما إلى ذلك، وصلت، على ما يبدو، إلى اللحظة الحرجة، والمنتظرة أيضاً، وأعلنت رداً على استفزازات "بايدن" المتتالية بشأن تايوان أن واشنطن ستدفع ثمناً "لا يطاق"، لكن الرسالة الأقوى تمثلت بـ"النصيحة" التي وجهها المتحدث باسم الخارجية، وانغ وين، للولايات المتحدة بالاستماع إلى "أغنية صينية قديمة مشهورة تقول إنه عندما يأتي صديق، يتم الترحيب به بنبيذ جيد، وعندما يأتي ابن آوى، يُرحب به ببندقية الصيد".
بيد أن "ابن آوى" الأمريكي كان قد وصل إلى جوار الصين منذ زمن طويل، وهو، منذ ذلك الوقت، لم ولا يترك فرصة للسير في "الطريق الخطأ" بشأن قضية تايوان، وبالطبع لا يفعل ذلك من أجل "الحرية" و"حقوق الإنسان"، فتلك عبارات للدعاية الإعلامية فقط، بل لاعتبارات "واقعية" تتعلق بأولوية كبح صعود الصين الاقتصادي السريع، والذي يعرف الأمريكي جيداً أنه سيغرف، وقد فعل، من صحن "امبراطوريته" الممتدة على مساحة العالم كله، ويعرف أيضاً أن الاقتصاد حامل أساس يسبق، حكماً ويختزل ضمناً، السياسة، والحلم الامبراطوري لاحقاً.
والحال فإن بكين، في الاستراتيجية القومية الأمريكية، تتصدر قائمة الأعداء، موسكو عدو ثان، وإذا كانت الحرب في أوكرانيا بدلت في الأولويات، إلا أنها لم تبدل في الترتيب على ما يبدو، فبعد أن "اطمأنت" واشنطن على "إشغال" موسكو فيها، كان لا بد من العودة إلى.. بكين.
خلال الفترة الماضية كانت بكين على حذرها المعهود، لم تتدخل جديّاً في سورية، باستثناء الفيتو في مجلس الأمن، رغم معرفتها أن سقوط شرق المتوسط باليد الأمريكية يعني صدّها عنه، وكانت حذرة أيضاً في الحرب الأوكرانية علّ ذلك يبعد عنها الكأس المرّة، لكن السياسة المجردة -بغض النظر عن الأخلاق والحق- لا تعرف ذلك، والتحالف "الناتوي" الذي جمعته واشنطن ضد موسكو، سيلتفت إليها لاحقاً وحكماً، وإن بأعضاء جدد، إن انتصر على روسيا.
من جانبه فعل "ابن آوى" كل شيء في الفترة الماضية، أحاط بكين بالأحلاف -"أوكوس" وسواه- وحاول قطع "طريق الحرير" في كل منطقة ممكنة. استعدى عليها الجيران. وأخيراً أطلق في رحلته الأخيرة لكوريا واليابان سباق تسلّح بين الكوريتين وهذا تهديد صريح للأمن القومي الصيني، لكنه لم يكتف بذلك، فقد تتالت قراراته الاقتصادية الحمائية -والموجهة فعلياً ضد بكين- وكي نفهم بعض "حماسه" لتايوان، وسبب إخلاله "بالوعود التي قطعتها بلاده بشأن قضية تايوان وقوضت ودمرت مبدأ الصين الواحدة وحرضت سراً وعلناً ودعمت الأنشطة الانفصالية التي تهدف إلى استقلال تايوان"، يجب أن نعرف أن هذه الأخيرة تسيطر على نحو 60 % من السوق العالمية لـ"صناعة أشباه الموصلات"، الممرّ الإلزامي للتفوّق الصناعي والتكنولوجي، وهذا أمر لن تتورع واشنطن عن إشعال حرب من أجله.
وإذا كانت الحكمة القائلة إن الحرب هي نشاط اقتصادي أيضاً، وأساساً، صحيحة في كل زمان ومكان، فإنها تكاد تكون أصح في زمن واشنطن الحالي، وهذا ما يفسر تأكيد "بايدن" للمرة الثانية في غضون ثمانية أشهر استعداد بلاده للدفاع "عن تايوان عسكرياً إذا قامت بكين بغزو الجزيرة".
إذاً، واشنطن لن تترك بكين تواصل صعودها بسلاسة، هذا أمر محتوم ومعروف، لذلك "تبذل قصارى جهدها في التلاعب بالكلمات بشأن مبدأ الصين الواحدة"، بحسب وانغ، الذي أضاف: "لكني أريد أن أذكر الجانب الأمريكي بأنه لا توجد قوة في أي من أنحاء العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها، يمكنها تجنيب الداعين إلى استقلال تايوان الهزيمة".
بالمحصلة، الرسائل الكلامية بين واشنطن وبكين، كلام حرب، أو أولها على أقل تقدير، وهي تشي بأيام صعبة جديدة على العالم، لكن ذلك، شئنا أم أبينا، المخاض الحتمي لعالم لا زال "حائراً" بين الأحادية والتعددية، مع ضرورة التذكير بأن واشنطن، وعلى غرار ما فعلته في أوكرانيا، قد تكتفي بالحرب حتى آخر تايواني.. فهل من يعتبر؟ بالطبع لا.