القمح السوري: من الوفرة والاكتفاء الذاتي والتصدير إلى القلة والاستيراد
د. نور الدن منى- فينكس:
يعتبر محصول القمح السوري من المحاصيل الاستراتيجية الهامة، ويعتبر أساساً للأمن الغذائي، وقبل اندلاع الحرب السورية عام 2011 ، كانت سوريا تصدّر هذا المحصول.. وهو من أجود الأصناف العالمية.
قبل عام 2011... كانت سورية تُحقق اكتفاءها الذاتي من القمح، مع إنتاج يتجاوز أربعة ملايين طن سنوياً.
- تمت زراعة 1.7مليون هكتارمن القمح عام 2007، وتم الحصول على إنتاج أكثر من 4 مليون طن.. وكانت الإنتاجية في وحدة المساحة 2.4 طن /هكتار.
- وتعزى الأسباب إلى اتباع سياسة دعم سعر الشراء التشجيعي من الفلاحين، وكذلك دعم مستلزمات الإنتاج، واعتبار القمح محصولاً استراتيجياً هاماً في السياسة العامة والسياسة الزراعية، واعتباره الأساس للأمن الغذائي.
- لكن مع توسّع رقعة الحرب وتعدّد الأطراف المتنازعة، تدنّى الإنتاج إلى مستويات قياسية، وباتت الحكومة مجبرةً على الاستيراد.
في تلك الفترة، كان إنتاج القمح يكفي للاكتفاء الذاتي وللمخزون الاستراتيجي، إضافةً لتصدير الفائض.
فقبل الحرب كانت الحكومة تشتري 2.5 مليون طناً لتوزيعه على المطاحن لإنتاج الخبز المدعوم للاستخدام المحلي و1.5 مليون طناً كفائض التصدير.
وخلال الفترة ما بين (1994- 2008)، كانت سوريا تصدّر القمح إلى دول الجوار.. فتؤمّن حاجة الأردن بشكلٍ كاملٍ، وجزءاً من حاجة مصر وتونس.. إضافةً إلى دول أوروبا وخاصة إيطاليا لإنتاج المعكرونة، بسبب ميزات القمح السوري الممتازة.
- - تشير التقارير الرسمية إلى أنّ إنتاج القمح في سوريا في عام 2019 بلغ حوالي 2.2 مليون طناً، مقابل 1.2 مليون طناً لعام 2018.
- - بينما قدّر إنتاج سوريا من القمح قبل عام 2010 بنحو 4.1 مليون طناً سنوياً.
- تستهلك سوريا سنوياً 2.5 مليون طناً من القمح.
وهناك نوعان يستعملان بشكل كبير هما: القمح الطري أو قمح الخبز، والقمح القاسي الصلب.
- كانت سوريا قبل عام 2011، تعتبر من الدول المكتفية ذاتياً من القمح، وتملك مخزوناً استراتيجياً يكفيها لخمس سنوات...
وبعد الحرب اضطرت البلاد إلى استيراد القمح من روسيا وإيران ودول أخرى.
* رفعت وزارة الزراعة شعار "عام القمح" في سورية عام 2021، ودعت إلى زراعة "كل متر في البيت أو الحديقة"، أملاً بتجاوز الأزمة.
وللأسف كان الموسم من أسوأ المواسم في البلاد، فالتقديرات التي كانت تطمح إلى ما يتجاوز مليون طن من القمح، لم تتجاوز في الواقع 400 ألف طن.
ومنذ أن بدأ يتضح، أنّ "حسابات البيدر" ستكون أقل بكثير مما كان مخططاً له.. بدأت فلسفة الذرائع، بأنّ الجفاف كان شديداً، ولم يمر على سوريا مثله.. ودُفن شعار "عام القمح"، والفجوة كانت كبيرة بين الإنتاج والحاجة (المقدرة بنحو مليوني طن).
- وينتشر القمح في سوريا بنوعيه القاسي والطري.. ويمتاز القاسي بكبر حجم الحبوب، والبلورية، واللون العنبري الأصفر، وبتأقلم واسع في المناطق البيئية لحوض المتوسط.
- تعتبرالأقماح السورية من أفضل أنواع القمح على مستوى العالم وأجودها:
- القمح القاسي الملائم لصناعة المعكرونة نتيجة احتوائه على بروتينات تميّزه عن غيره.
- القمح الطري الملائم لصناعة الخبز والبسكويت والكاتو.
* أهمية الأصناف والأصول الوراثية السورية
تشير دراسات التاريخ الزراعي، إلى أنّه اكتشف قمح ثنائي الحبة في منطقة تل أبو هريرة في سوريا، وفي أريحا وغيرهما من المناطق، والتي تعتبر من أقدم مناطق الاستئناس لهذا النوع من القمح في العالم.
وقد اعترف علماء أمريكيون.. بأنّه اكتشف الباحثون في جامعة كنساس الأمريكية، أنّ "البذور السورية" لعبت دوراً هاماً وحيوياً في حلٍّ يُنقذ المحاصيل الزراعية الأمريكية، وخاصةً القمح.. من تأثير ارتفاع درجات الحرارة وتوابعه.
حيث أشار الخبراء الأمريكيون، إلى أن ميزة تلك البذور السورية هي قدرتها على التطور جينياً والحفاظ على خصائصها، التي تمكنها من مكافحة الآفات والحشرات مع تغير الطبيعة المناخية للمكان.
ومن أهم أصناف القمح الموجودة، الأقماح عالية الإنتاج، والأقماح المحلية والقديمة.
وتشمل أصناف القمح القاسي المزروعة في سورية:
سلسلة شام (1،3،5،7،9)، وبحوث ( 1،7،9 ،11، 5)، ودوما (1، 3)، حوراني، اكساد65، جزيرة 17، جوري69 ، سيناتور كابللي.
وتمتاز الأصناف بمقاومتها للظروف البيئية (جفاف وأمراض وخاصةً مرض الصدأ)، وغلتها العالية، وتأقلمها الواسع في البيئات المروية. وأغلب الحبوب تتميز بصفات تكنولوجية جيدة.
أما أصناف القمح الطري فهي: سلسلة شام (2،4،6،8،10) وبحوث (6، 8)، دوما2، دوما4، جولان2، مكسيباك، فلورنس اورور.
وتمتاز أغلبها بغزارة الإنتاج، وتأقلمها في البيئات الجافة، وتحمل صفات تصنيعية جيدة ككبر حجم الحبوب.
- إنتاج أصناف جديدة من القمح، كان من مهمة هيئة البحوث العلمية الزراعية، وبالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) التابع للمجموعة الاستشارية الدولية، والذي بدأ عمله في سوريا عام 1977.
إيكاردا أنتجت أصنافاً من البذور متوافقةً مع البيئة السورية، ذات إنتاجية عالية، ومتحملة للجفاف، ومقاومة للأمراض.
- بعد اندلاع المعارك في سورية، نقلت الأصول الوراثية النباتية التي كانت في بنك الأصول الجينات الوراثية (إيكاردا) إلى (قبوسفالبارد العالمي للبذور)، الذي يعرف بـ (قبو البذور) العالمي الموجود في النرويج في عام 2014.
حيث كان الهدف من ذلك، هو ضمان إمدادات الغذاء في المستقبل لتوفير الأمن الغذائي في العالم النامي.. إذ تؤدي الحروب والصراعات إلى فقدان وضياع بعض الأصناف المحلية، وتدهور نوعيتها، وارتفاع نسبة الخلط فيها، واختفاء أصناف نباتية ربما تكون متميزة بزيادة الإنتاج.. وهو ما يمكن استرجاعه من بنك الجينات.
* التسويق والتسعير
حددت الحكومة السورية سعر شراء كيلو القمح للموسم الحالي 2022 بـ 1500 ليرة سورية. بينما السعر الحكومي لشراء القمح في الموسم الفائت كان قد وصل إلى 900 ليرة سورية، حيث رفعت الحكومة سعر محصول القمح المُتسلّم من الفلاحين لموسم عام 2021 من 550 ليرة إلى 900 ليرة سورية.
والسؤال.. فيما إذا كان هذا السعر جاء التزاماً من وزارة الزراعة والحكومة، بإعادة التسعير وفق تكاليف الإنتاج الفعلية والقيمة الفعلية لمستلزمات الإنتاج في السوق المحلية أم لا؟...
* الأسباب التي أدت إلى استيراد القمح أو الطحين
سورية بعد الحرب وللأسف استوردت الطحين لأول مرة في عام 2012.
- يعود تراجع محصول القمح لعدة عوامل منها:
- خروج مساحات كبيرة من الأراضي من الزراعة، إضافة إلى الحرائق التي تطال القمح قبل الحصاد... واستعمال الحرائق في حقول القمح، كأدوات وردود فعل بين الأطراف المتحاربة.
- الجفاف وتراجع مستوى الأمطار والتغيرات المناخية... فضلاً عن ضعف الموارد المائية.
مما جعل عام القمح أسوأ المواسم في غياب أسس إدارة الزراعة الجافة.
- استمرارارتفاع أسعار البذور، والأسمدة، ومعدات الزراعة، والنقص في المحروقات، خاصة وأن أغلب القمح الذي يدخل في الإنتاج هو قمح مروي، ويعتمد على الآبار، وبالتالي يلزمه محروقات.
وفي ظل استمرار الوضع الزراعي في المنطقة على حاله، لا يُستبَعد من المزارع استبدال زراعة القمح بأنواع أخرى كالكزبرة والكمون.. كون تكاليفها أقل، وأسعارها أغلى، ولا تتطلب أمطاراً غزيرة.
- صعوبات الوصول للأراضي الزراعية نتيجة الأعمال الحربية.. لذلك بقيت مساحات غير مزروعة... و صعوبات في عمليات التسويق ونقل الحبوب من منطقة لأخرى، بسبب تناقص الأمان والحالة الأمنية.
- هجرة الفلاحين لأراضيهم وتركهم الزراعة..
يحذر خبراء ومنظمات إنسانية من كارثة في شمال وشمال شرق سورية، جراء تراجع منسوب وتدفق مياه نهر الفرات، ما يهدد بانقطاع المياه والكهرباء عن ملايين السكان والحقول الزراعية.
إلى جانب تخريب شبكات الري بفعل العمليات الحربية، بما فيها المعدات وأنظمة الري والآبار وسرقة بعض المعدات.
- نوعية البذار لعبت دوراً في انخفاض الإنتاج.. فلم تعد توجد بذور قمح محسَّنة تعطي إنتاجاً أكثر، كما أنّ الفلاح الذي يزرع يعتمد على البذار المخزنة نفسها لديه والمدورة، مع ما يرافقها من الخلط والشوائب... ما يؤدي إلى قلة الإنتاج.
- تهريب حبوب القمح إلى كلٍّ من لبنان والأردن بسبب اختلاف الأسعار.
- الفساد بأشكاله المختلفة أثناء التسويق (وخاصة الحالات المرتبطة برفض شحنات من القمح من الفلاحين لصالح التجار والمتنفذين).
- القيود المرتبطة بجائحة فيروس كورونا المُستجَد.. و كذلك العقوبات الاقتصادية على سورية بما فيها قانون قيصر.
وخلاصة القول:
تعتبرالأقماح السورية من أفضل أنواع القمح على مستوى العالم وأجودها، كحال القمح القاسي، وكذلك القمح الطري لصناعة الخبز.
الحفاظ على الأصول الوراثية للقمح السوري مسؤولية وطنية وتشاركية، فمن الواجب الوطني عدم التساهل بالعبث بها وضياعها..
هل هناك ما يمنع من إحياء مصطلح سلة غلال الامبراطورية الرومانية "إهراء روما الحورانية" وكذلك إحياء سلة غذاء الجزيرة السورية...!!
هل هناك ما يمنع ودون فلسفة ذرائع، أن نأكل مما نزرع... كي لا يبقى رغيف خبزنا السوري مغمساً بالذل، وحياء التسول، وخاضعاً للابتزاز...!!
إلى متى سنبقى نختبئ وراء شماعة الجفاف وقلة الأمطار.. وفي ظل ضعف وفقرالتفكير والتخطيط العلمي، وتبني التقنيات الحديثة في إدارة الزراعة السورية...؟!!
والسؤال متى نعيد ثروة عنابر سورية.. ومتى تعود سورية إلى تصدير قمحنا "ذهبنا الأصفر"...؟!!
*أستاذ جامعي و خبير أممي سابق و وزير زراعة أسبق