كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الأمن المائي السوري: الواقع والتحديات

*الدكتور نور الدين منى- فينكس:

تعتبر الزراعة السورية المستهلك الأساسي للمياه؛ بنسبة (85 -88) ٪ من إجمالي استهلاك المياه، والباقي يذهب للاستهلاك المنزلي(7%) والصناعي (5%).

وبالتالي فهي السبب الرئيسي في العجز الحالي في الميزان المائي.. والذي أدى إلى استخراج المياه الجوفية وجفاف العديد من الينابيع.

  • تعد مشكلة المياه العذبة من أكثر المشكلات التي تواجه سورية لأن مواردها المائية محدودة، و ذات نسبة نمو سكاني عالية (٢.٥-٣)٪، وكذلك نتيجة التغير المناخي الذي  يلعب دوراً مؤثراً في خروج مساحات من الأراضي الزراعية بشكل مستمر من الاستخدام.
  • وهذا يستدعي إعادة توزيع التركيب المحصولي في سورية، بحيث يحقق استخداماً ذا كفاءةٍ أعلى للمياه، و عائداً اقتصادياً أفضل، فضلاً عن تخفيض قيمة الفجوة الغذائية، وعدم استنزاف الموارد الجوفية لزراعات تستهلك الماء بشكل كبير(القطن)، عن طريق الحفر العشوائي للآبار.

 ومن المعلوم أن الري الزائد وسوء إدارة واستخدام الموارد المائية؛ قد يسبب تملح الأراضي وخروجها من الاستثمار، ويُحدث بشكل عام ضرراً للمزروعات..

لذلك يجب العمل على استغلال المياه السطحية والجوفية، واستثمار كافة الموارد المائية، لتحقيق الاستخدام الأمثل للثروة المائية، وتطبيق استراتيجية وطنية ومنهجاً اقتصادياً متكاملاً يعتمد على تطوير أساليب العمل وإدارة واستغلال المياه بالطرق العلمية المتطورة، ويضمن توافرها وديمومتها لتحقيق الأمن المائي.

المحافظة على الأمن المائي:

لا بد من إجراء بحوث ودراسات الميزة النسبية، وخاصة للمحاصيل المستهلكة للماء، والتي تنافس محاصيل أخرى، واتخاذ كافة التدابير والإجراءات التي تؤدي إلى التحول من طرق الري القديمة إلى طرق الري الحديثة؛ بهدف الحفاظ على الثروة المائية من الهدر والاستنزاف، ويعتبر هذا القرار خطوة فعالة على طريق مكافحة الهدر.

تشير الدراسات المائية إلى أنه: من المتوقع أن يكون لتغير المناخ تأثير شديد على موارد المياه في سوريا، مما سيقلل من إجمالي المياه المتاحة سنوياً بنسبة تزيد عن 30% في عام 2050  وفي الوقت نفسه، سيزداد الطلب على المياه بنسبة حوالي  18% نتيجة للتنمية الاقتصادية، والنمو السكاني، وزيادة الاستهلاك.

وسيؤدي انخفاض الهطول المطري وتذبذبه إلى تفاقم هذا الوضع، مما سيؤدي إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية، وجفاف بعض الينابيع.

  • يشار إلى أن أزمة المياه تفاقمت بعد الحرب السورية 2011 نتيجة التداخل بين عوامل السياسة والجغرافيا. ولهذا يعتبر موضوع المياه مرشحاً ليكون مصدراً أساسياً لإشعال الحروب في منطقة الشرق الأوسط، خاصة إذا وضعنا بالحسبان أن أغلب الأقطار العربية لا تملك السيطرة على منابع مياهها.

وقبل الحرب في 2011، كان يتم ري حوالي (60-70) ٪ من المساحة المروية بالمياه الجوفية.

وحوالي (20 -  25) ٪ من خلال مشاريع الري بالمياه السطحية والتي تديرها الحكومة.

وكانت الآبار غير المرخصة حوالي (60- 65) ٪ من إجمالي الآبار المستعملة. وقد بلغت مساحة الأراضي المروية باستخدام طرق الري (الري بالرش والتنقيط) حوالي ٢٤٪ من مجمل الأراضي المروية.

  • تشير التقديرات الأولية إلى أن التكلفة المبدئية لإعادة بناء قطاع الزراعة، وفي أول تقرير من منظمة الفاو (3 نيسان 2017 )، نتيجة لأثر الحرب على الزراعة السورية، ما تزيد قيمتها عن 16 مليار دولار أمريكي في المحاصيل الزراعية، وإنتاج الماشية، والأصول الزراعية.
  • إن التحديات لموارد المياه في سوريا، كما كان الحال قبل الحرب، مُلحةٌ اليوم بالقدر نفسه، إن لم تكن بقدرٍ أكبر.

 إن هذه التحديات هي نتيجة سنواتٍ من عدم الاهتمام الكافي بالإدارة المستدامة لموارد المياه.  كما سببت الحرب تدميراً واسعاً للبنية التحتية للمياه، سواء كانت تلك المرتبطة بتزويد المياه للأغراض المنزلية والزراعية والصناعية، أو لمعالجة مياه الصرف الصحي.

الحلول الممكنة لأزمة المياه:

 - الإسراع في إعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية، التي طالها الخراب والدمار نتيجة الحرب (آبار– طرقات– قنوات ري).

- إعادة الفلاحين لأراضيهم التي أصبحت محررة من خلال تقديم محفزات مالية واستصلاح قنوات الري والآبار ومستلزمات الري الحديث.

- وكذلك تقييم الموارد المائية التي لم تتأثر بالنزاعات.

 تحديات الثروة المائية السورية:

- الاستخدام غير الأمثل وغير الفعّال للمياه: ويمثل انخفاض إنتاجية المياه في الزراعة تحدياً كبيراً يواجه إدارة المياه في سوريا، نتيجة استغلال المياه الجوفية استغلالاً جائراً، مما يؤدي إلى انخفاضٍ مستمر في مستويات المياه الجوفية. وهنا تجدر الإشارة لأهمية الربط الحيوي والعضوي بين الأمن المائي والأمن الغذائي.

 - تعتمد سورية بشكل كبيرعلى تدفق المياه من تركيا عبر نهر الفرات وروافده، وتتقاسم كل  الأنهار الرئيسية في البلاد مع دول الجوار...

 - ارتفاع معدل النمو السكاني (٢.٥- ٣)٪  وازدياد التحضر، يزيد الطلب على الموارد المائية، بالإضافة إلى تراجع توافر المياه العذبة.

- إن ندرة المياه هي إلى حدٍ كبير من أعراض سوء الإدارة أكثر من الندرة الفعلية. مما أدى إلى استنزاف المياه الجوفية المحلية وزيادة التلوث.

وقد انخفضت حصة الفرد السوري من المياه من 12200 متر مكعب في عام 1992 إلى 800 متر مكعب في عام 2012، وهو أقل من المستوى المحدد دولياً لندرة المياه البالغ  1000 متر مكعب للفرد سنوياً.

- يُمثل الفاقد الطبيعي والإداري للمياه تحدياً آخر. حيث يبلغ متوسط المياه المهدورة 35% على المستوى الوطني، وقد يصل إلى أكثرمن 40% في بعض المناطق.                              فمثلاً يعتبر حصاد مياه الأمطار تقنية تستخدم لجمع وتخزين مياه الأمطار، لاستخدامها لاحقاً، حيث يُستفاد من كمية الهطول المطري السنوي البالغ بالمتوسط (44 - 47) مليار متر مكعب.

فإنه يتم استخدام 20%  فقط على نحو فعّال، وتتم خسارة 80% المتبقية من خلال التبخّر والتسرّب والجريان السطحي نحو البحر.

 أسباب زيادة الطلب على المياه:

- اتباع سياسات تحسين الاكتفاء الذاتي غذائياً..

- وكذلك سياسة الدعم الحكومي ساهمت في زيادة معدل استنزاف الموارد المائية

 - ضعف الإطار الاجتماعي- الاقتصادي في تطبيق وتنفيذ القوانين واللوائح المعمول بها لحماية موارد المياه من التلوث والاستغلال المفرط.

- وكذلك ضعف التنسيق والتنظيم بين المؤسسات المسؤولة عن إدارة الموارد المائية، وغالبا ما يكون الفساد والروتين بالمرصاد.

  • وهذا يتطلب إصلاحاً مؤسساتياً وإدخال تدابير المساءلة القانونية، بمعنى ضرورة إجراء إصلاحات سياسية ومؤسساتية وقانونية، واعتماد السياسات المائية الوطنية، وربط الخطط الوطنية لاستخدام الأراضي بالموارد الطبيعية المتاحة، وتطبيق مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية انسجاماً مع أسس التعاون الدولي مع البلدان المتشاطئة، وتعزيز الإطار المؤسسي والسياسي للمياه، وتنفيذ القوانين المتعلقة بالمياه، واعتماد نهج تشاركي في إدارة الموارد المائية.

-المناخ والتكيف مع التغيرات المناخية: غالباً ما تواجه سوريا فترات جفاف، والتي لها عواقب سلبية على الموارد المائية والأنشطة الاقتصادية ذات الصلة. 

وخلاصة القول:

سورية؛ كحال معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يصعب فيها جداً تلبية الطلب الحالي على المياه، ومن المحتمل أن يزداد الوضع سوءاً.

 ومع التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار بعد الحرب؛ وارتفاع معدل النمو السكاني، فسيزداد الطلب على المياه.

سيلعب البعد الحيوي والسياسي والاقتصادي المترابط بين الأمن المائي والأمن الغذائي دوراً حاسماً في استراتيجيات سوريا، لإعادة الإعمار، والتنمية طويلة الأجل ما بعد الحرب وإعادة الإعمار.

 فالتلازم بين الأمن الغذائي والأمن المائي ضمن استراتيجيات الدول ضرورة استراتيجية وسياسية، لتحقيق تنمية مستدامة تحفظ الموارد المائية للأجيال القادمة .

 لذلك تحتاج سوريا من أجل مواجهة تحديات المياه الحالية والمستقبلية، تبني وتنفيذ استراتيجية وطنية تهدف إلى:

 الاستخدام الأمثل للموارد المائية في الاستعمال الزراعي..

ونشر ثقافة وترشيد الاستهلاك للموارد المائية.

*أستاذ جامعي و خبير أممي سابق و وزير زراعة أسبق

رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه
شيشرون يتحول إلى حجّاج بن يوسف.. جان عزيز ونوال برّي والكامخ بينهما !
السوريون في أوروبا
ما بين انجازات تمّت.. وانجازات مطلوبة ومنتظرة
"إشكالية العدمية السياسية" ومعضلة الولادة الوطنية الثانية في سورية
لا تظلموا كبارنا.. فهم وحدهم القادرون على حفظ الأمن حين تعجز البنادق!