كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

دكتور مهاتير... والتنمية

كتبت الدكتورة لمياء عاصي- فينكس:

 عندما شغل مهاتير محمد منصب رئيس وزراء ماليزيا اعتباراً من عام 1981، تحولت تدريجياً من بلد يعاني أفرادها الفقر والبطالة بنسب عالية، إلى دولة يحظى فيها الفرد الماليزي ليس بمستوى معيشي متميز بل بمستوى تعليم عال أيضاً، دولة احتلت مكاناً محترماً على الخارطة العالمية في كل المؤشرات السياسية والاقتصادية.

كنتُ سفيرة لبلادي في كوالالمبور العاصمة الماليزية لمدة خمس سنوات، جعلتني أقترب كثيراً من تفاصيل هذه الرحلة التنموية الغنية والتي شملت كل شيء، وأصبحت تدرّس في جامعات كثيرة، إنها الوصفة الأبرز التي تجمع بين اقتصاد السوق الحر ودور الدولة القوي لضمان مصلحة كل المواطنين الماليزيين، قامت التنمية في ماليزيا على عدة روافع أهمها:

  • بناء المؤسسات الكفوءة وعلى أسس الحوكمة.
  • بناء الكوادر البشرية القادرة على الاضطلاع بمهام التنمية.

إضافة الى عناصر غاية في الأهمية، لا يتسع المجال لذكرها، ولكنها تتركز في كل أنواع الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي إضافة الى الاهتمام بالتكنولوجيا والعلوم التطبيقية.

  • بالنسبة للمؤسسات، فقد تم تصميمها  لتحقيق أهداف معينة، مثلاً: إنشاء مؤسسة خزانة في ماليزيا في عام 1993، كذراع اقتصادي  وصندوق سيادي استثماري قوي للدولة،  تولت جزءاً مهماً من عمليات الخصخصة، فقامت بشراء المؤسسات التي طرحتها الحكومة للبيع والاستثمار بها, الى أن أصبحت مؤسسات رابحة لثلاث سنوات متتالية حسب نظام هيئة الأوراق المالية، ثم طرحت قسماً من ملكياتها للبيع، وهكذا نقلت  الملكيات من مؤسسة خزانة (الدولة) الى المستثمرين (القطاع الخاص), وبالتالي, لا يتم بيع تلك المؤسسات بأثمان زهيدة, تعمل مؤسسة خزانة وفق مبدأ السوق وعلى أسس اقتصادية  تهدف الى الربح, بدون أي ضغوط سياسية من الحكومة او من متنفذين فيها.

مؤسسة أخرى متميزة جداً، وهي شركة النفط الوطنية الماليزية (بتروناز)، الآن هي شركة نفط عالمية لها استثمارات في 49 بلد، وانشأت جامعات تخرّج سنوياً مئات الطلاب في حقول الهندسة والتكنولوجيا والنفط، ويتفرع عنها شركات في مجال الغاز والمنتجات الزيوت النفطية وغيرها, لديها في ماليزيا مشاريع تنموية واقتصادية كثيرة مثل البرجين الشهيرين في كوالالمبور, إضافة الى أنها تقوم بإقراض الحكومة الماليزية إذا طلبت الحكومة ذلك.

  • في إطار، تأهيل و إعداد الكوادر البشرية لتكون حوامل للتنمية في ماليزيا، أرسل مهاتير بحدود خمسين ألف طالب ماليزي للحصول على شهادات عليا من جامعات عالمية مرموقة على ثلاث سنوات، وتحملت ماليزيا من أجل هذا الإيفاد ديوناً خارجية واعتبرته استثماراً، برأي خبراء، إنها العملية الأكثر تأثيراً في نجاح التنمية في ماليزيا.

عندما عصفت الأزمة المالية بدول جنوب شرق آسيا ومنها ماليزيا في 1998-1997، وسميت حينها بـ"توم يام" نسبة الى الحساء التايلندي الشهير لأن الأزمة المالية في دول جنوب شرق آسيا بدأت بتايلند، قال مهاتير في محاضرة له: بأنه كان حزيناً: ففي كل صباح نشرات الأسعار تشير الى انهيار في البورصة الماليزية وارتفاع أسعار السلع وانخفاض قيمة العملة، فقد فقدت العملة الماليزية الرينغت حوالي 30% من قيمتها أمام العملات الأجنبية وخصوصاً الدولار في الأشهر الأولى من الأزمة.

وحكى لي وزير المالية الماليزي نور محمد يعقوب، عن قصة الأزمة المالية لدول جنوب آسيا، قال نور يعقوب: استدعاني مهاتير محمد وكان في جولة بأميركا اللاتينية، وكان اجتماعنا في أوقات الإفطار في الساعة السادسة صباحا، حيث كان أول موعد له في زيارته في الثامنة صباحاً، وطلب شرح الأزمة المالية وكيف يمكن التغلب عليها، أعجب مهاتير بالشرح والتفسير الواضح للأزمة،

 وطلب من يعقوب أن يبدأ بتصميم حزمة حلول للتعامل مع الأزمة المالية،  في هذا الصدد، يشير الكثير من الخبراء إلى أن السياسات المالية التي صممها "يعقوب" وتبناها مهاتير كانت غير عادية من حيث درجة الدقة ومستوى التعقيد، وبموجبها اتخذت ماليزيا في 1998 مجموعة إجراءات مالية واقتصادية وحكومية، أدت بمجملها الى تجاوز الأزمة، فبدأ الاقتصاد الماليزي بالتعافي وسجل نمواً اعتباراً من العام التالي, نما بنسبة 5.8 في عام 1999 وبنسبة 8.5% في عام 2000، عقب انكماشه بنسبة 7.4% في عام 1998.

الحزمة المالية التي تم تصميمها تتلخص بالنقاط التالية:

1.    بأن وضع سعر للرنغيت الماليزي يستطيع البنك المركزي الدفاع عنه، نجم عنه "تثبيت العملة الماليزية".

2.    تحويل الديون القصيرة الأجل لديون طويلة الأمد، وقال مهاتير وقتها مخاطباً المستثمرين الأجانب: " لقد استثمرتم وربحتم... الآن عليكم أن تتحملوا قليلاً".

3.    تحويل الأرباح أو الأموال نتيجة البيع في سوق الأسهم الماليزي يستدعي من الأجانب الانتظار لمدة عام كامل.

4.    تم منع الماليزيين أنفسهم من الاستثمار في الخارج دون الحصول على موافقة مسبقة من البنك المركزي.

أخيراً: نجحت ماليزيا في معالجة آثار الأزمة المالية التي عصفت بدول جنوب آسيا، وتجنبت اللجوء كجيرانها إلى صندوق النقد الدولي، كما نجت من تعويم عملتها الوطنية، من خلال  حزمة سياسات مالية واقتصادية بمستوى عال من التعقيد والتطور.

رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه
شيشرون يتحول إلى حجّاج بن يوسف.. جان عزيز ونوال برّي والكامخ بينهما !
السوريون في أوروبا
ما بين انجازات تمّت.. وانجازات مطلوبة ومنتظرة
"إشكالية العدمية السياسية" ومعضلة الولادة الوطنية الثانية في سورية
لا تظلموا كبارنا.. فهم وحدهم القادرون على حفظ الأمن حين تعجز البنادق!