كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الزير سالم.. وأيامنا هذه

منصور المنصور

البارحة قرأت على الفيس ذكرى وفاة الكاتب ممدوح عدوان. هذه الذكرى ذكرتني بالجهد الكبير الذي قدمه المبدع ممدوح عدوان لجهة الكتابة الابداعية والترجمة. هذا جعلني اتذكر بعض الكتب التي قرأتها له وبقيت في الذاكرة رغم مرور سنين كثيرة. اذكر كتاب "حيونة الانسان"، وكتاب "تقرير الى غريكو"، الذي ترجمه، وهو للكاتب اليوناني نيكوس كازانتساكس. ولن انسى مسلسل "الزير سالم". هنا سوف اتوقف واكتب قليلا عن هذا المسلسل. عن رؤية ممدوح عدوان الابداعية لهذه السيرة الشعبية. لأنني ارى أن رؤية عدوان لهذه السيرة الشعبية لها علاقة بما نعيشه الان. سوف اتناول المسلسل من زاوية واحدة فقط، تتعلق بما نعيشه اليوم.
يدرك ممدوح عدوان ان الزير سالم ابن بيئته،، البيئة القبلية التي تعلي من شأن الثأر والشجاعة. كانت القبيلة تفخر بالثأر، وعار عليها اذا لم تقم بهذا الفعل.
يعتبر الثأر قيمة عليا ضمن منظومة قيم القبيلة. كذلك شجاعة هي قيمة عليا للقبيلة، وشجاعة الفارس هي مقدار ما يقتل من العدو، مقدار ما يثخن بهم من جراح، والعدو هنا هم قبيلة عربية اخرى. ومن هنا يأتي مفهوم العدالة ــ الثأر. المبدع ممدوح عدوان لم يتعامل مع العدالة بوصفها قيمة مطلقة، بل قام بتعرّيتها حين تحوّلت إلى أداة انتقام جماعي. فالزير سالم، كما قدمه عدوان، لا يثأر لأنه مقتنع أخلاقيًا بالثأر، بل لأنه محاصر به: أخٌ مقتول، قبيلة تنتظر وعلى سلم أولوياتها الثأر، وتاريخ يضغط، وذاكرة لا تسمح بالنسيان. هكذا تصبح العدالة عبئًا، لا خلاصًا، ويتحوّل الانتقام من فعل دفاعي إلى مسار تدميري طويل. الزير سالم في هذا السياق ينفّذ العدالة باسم الآخرين، لا باسم ذاته، وكلما مضى فيها، ابتعد أكثر عن نفسه الأولى، المرح والشاعر وزير النساء والماجن، ودخل في دائرة من الانتقام والانتقام المضاد، وهذا ما جعل تلك الحرب الملعونة تدوم كل تلك السنين.
يأتي ابداع ممدوح عدوان من هذه الرؤية الجديدة للسيرة الشعبية. في «الزير سالم» لا يقدّم ممدوح عدوان بطلًا أسطوريًا كما في السيرة الشعبية، بل يعيد تفكيك الشخصية من الداخل، محوّلًا إياها إلى كائن درامي ممزق بين العاطفة والعدالة، بين الحب والدم، وبين الفرد والجماعة. الزير في نص عدوان ليس رمزًا للثأر فقط، بل سؤالًا أخلاقيًا عن معنى العدالة حين تولد من مفهوم الثأر، الذي يولد ثارا مضادا، لندخل في دائرة مغلقة من الانتقام والانتقام المضاد.
في المقابل، لا يقدّم عدوان العدالة القبلية كشرّ خالص، بل كمنظومة مغلقة تعيش على الاستمرار بالانتقام. الجميع ضحاياها: القاتل والمقتول، المنتقم والمنكوب. الزير نفسه يصبح أداة لاستمرار الحرب، لا لإنهائها. وكلما حاول أن يضع حدًا لها، وجد نفسه أعمق داخلها. هذا ما يجعل شخصية الزير سالم مأساوية بالمعنى الكلاسيكي: وعيٌ متقدّم، وإرادة مقيدة، ومسار لا يمكن كسره دون تدمير الذات.
سورية اليوم تعيش هذه القيم القبلية من خلال الانتقام والثأر. وبدلا من القبائل تأتي الطوائف لتحل محلها. قبيلة الزير سالم تحاول الانتقام لنفسها من اي فرد ينتمي ولو بالولادة للقبيلة الاخرى.
فالعدالة هي انتقام جماعي، كما فعل الزير سالم، ولكن الفرق الجوهري أن الزير سالم ابن مجتمعه وقيمه، بينما نحن أبناء القرن الواحد والعشرين ولكن بقيم مجتمع الزير سالم، اي بفارق الف عام.
فبدلا من مفهوم المواطن والمواطنة، نعيش مفهوم الطائفة وابنها. وبدلا من مفهوم العدالة الانتقالية، نعيش بمفهوم الثأر من اي فرد ينتمي للطائفة المعنية.