كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

محطّات في الذاكرة.. بين الحنظل والرحيق بقلم الشاعر علي كنعان


تنشر صحيفة فينكس, محطّات في الذاكرة, تباعاً, مع قامات سوريّة وعربية..
هذه المحطّة, يكتبها الشاعر والكاتب الأستاذ علي كنعان...

 

 

بين الحنظل والرحيق- الشعر والحياة

 

ربما كان من الصعب أن يختار الكاتب لمحات معينة من حياته، لأن الذكريات في لحظات استدعائها لا تخضع لإرادة صاحبها، كما أن رصد التجربة الشعرية من خارجها ينطوي على صعوبة مماثلة، وبخاصة حين نرى أن الخاص متشابك مع العام.. وأن المشاعر والخلجات الباطنية الحميمة مختلطة بالمؤثرات الخارجية المريرة، ذلك أن تجربة الكتابة لا تنفصل عن القراءة وتأثيراتها، قراءة الكتب والصحف وقراءة الوجوه وظروف الواقع المعيش، بكل رواسبه وتعقيداته ومعطياته. وتجربة الكتابة لا تخلو من غموض، ولا سيما في الشعر. إن المخاض الذي تمر به القصيدة حتى تستكمل ولادتها، كائنا فنياً جمالياً، سرعان ما ينفصل عن صاحبه كانفصال الوليد عن جسد أمه. إنه معاناة وجودية يظل صاحبها عاجزاً عن سبر أغوارها واستجلاء كوامنها، حيث يمتزج الشعور باللاشعور، والذكريات بالأحلام، والخيبات بالتحديات، والوقائع التاريخية والأحداث اليومية بالتطلعات. لكن عناصر الكآبة والقلق والألم، بكل قسوتها ومرارتها الجارحة، في ملحمة الحياة، هي التي تدفعنا إلى الكتابة، التماساً لتحقيق التوازن بين ضغوط الداخل وضغوط الخارج- كما يقول إرنست فيشر في كتابه "ضرورة الفن". ولعل السرد المتخيل في القصة والرواية والمسرح يبدو أيسر وأقل قهراً ومكابدة، وإن كان الجهد الفكري والتوتر الدرامي أكبر. من هنا يطيب لي أن أشبه الشعر بالرحيق الذي يستخلصه الشاعر من اختمار عصارة الحنظل، في فكره ومشاعره وقرارة نفسه، وليس من ارتشاف الزهر كما يفعل النحل. والشيء الذي أدركه جيداً وأود التأكيد عليه هو أن الشاعر يظل مسكوناً بطفولة خفية مدهشة خلال مخاض تشكل القصيدة وانسكابها في كلمات، بعد مكابدة طويلة تملأ رأسه بركام خانق أشبه ما يكون بالغيوم الكثيفة التي تنتظر شرارة البرق حتى تنهمر، حاملة معها إيقاعها الموسيقي الخاص بها، دون أي تخطيط مسبق أو إرادة واعية. ومهما تقدم به العمر، فالقصيدة لا تتشكل إلا في بوتقة حال من طفولة خاصة وغامضة، لا تختلف عن الأولى إلا بالنضج واتساع الرؤى والخبرة والمخزون الثقافي.

أتلفت سبعين سنة أو أكثر قليلا إلى وراء، فأرى أن الشعر يبدأ بالغناء، عشقاً أو خوفاً أو بحثاً عن أنس أو عزاء وسلوى، سواء في الحقول أوعلى البيادر أو عبر الدروب الموحشة. يظل الفتى مأخوذاً بعذوبة الإيقاع، قبل أن تشغله الصورة الفنية المنسوجة بكلمات. ومن هذا المنطلق، كان وادي عبقر وتصور القرين. وفي هذا الفضاء، جرد الشاعر القديم من نفسه رفيقاً أو أكثر ليكسر الوحشة الخانقة والسكون المخيف من حوله، فوقف واستوقف صاحبيه.. وبكى واستبكاهما معه. أما الحكاية والسيرة الشعبية فكانت تنفرد بسهرات الشتاء، بدءاً من سوالف الجن والوحوش واللصوص، ومن حكايات "شهرزاد وتغريبة بني هلال".. إلى "الزير سالم وسيف بن ذي يزن" وكثير من مرويات المآسي الشعبية.

لم يكن في قريتنا مدرسة، ولا في تلك القرى المجاورة والمشلوحة على أطراف بادية الشام بين حمص وتدمر. ويبدو أن سلطة الانتداب الفرنسي كانت حريصة على استمرار الأمية والجهل، لأن العلم مرتبط بإرادة التحرير وانتزاع الاستقلال. لكن منطقتنا حظيت بوصف شاعري، يطيب لي أن أردده بمتعة وإعجاب، ذلك أن دائرة الأرصاد الجوية في وزارة الزراعة أعلنت أن تلك القرى واقعة "خارج خط المطر"، وهذه العبارة الشعرية ستكون عنوان الكتاب الذي أخذت أستدعي فيه ذكريات الطفولة والصبا الأول، ولا أدري متى يتيسر لي أن أنتهي من تدوين تلك الأطياف الحميمة.

كان في بيتنا عدد محدود من الكتب، أجملها "المنجد" الذي كنت أغتنم غياب أخوتي لأقلب صفحات الصور، وأتوقف طويلا أمام صور الهيكل العظمي وصور الوحوش الغريبة. وكان هناك عدد محدود من دواوين الشعراء، ومنها: أبو تمام، المتنبي، البحتري، ابن الفارض، المعلقات العشر، "الشفق" لبدوي الجبل، إضافة إلى المكزون السنجاري والمنتجب العاني، وهذان الأخيران شاعران صوفيان كانت القلة المتعلمة في القرية تحتفي بهما كثيراً، وبخاصة أن جذور عائلتنا تعود إلى عانة في العراق. ويمكن أن أضيف بالأهمية ذاتها، وجود دفتر سميك ذي غلاف من المربعات الخضراء "كارُّ" على أرضية سوداء، يضم مجموعة من القصائد مكتوبة بخط أنيق، كان أخي ومعلمي "محمود" يجيد فنه بإتقان، ومن تلك القصائد رثاء بدوي الجبل للملك غازي. ومن كثرة ما كان أخوتى الكبار ينشدون تلك القصيدة في السهرات، حفظت بعض أبياتها كما حفظتها أختي "خزنة" وأثارت غضب الكبار في العائلة، دون أن أدرك السبب. ومن الأبيات التي لم تبرح ذاكرتي، وكنا نرددها كالببغاء:

دمُ غازي يا حمرةَ الورد، فاسقي      وارشفي من ضيائه واستزيدي

عرُسٌ في الجنان فالحورُ يطـ... ــفَرنَ على ميعة الضياء البديدِ

بدأ الوالد بتعليمي القرآن الكريم، وأنا في الخامسة.. وختمته على يديه في السابعة. لكنه رحل إلى جوار بارئه، وأنا في التاسعة، قبل جلاء القوات الفرنسية عن سوريا بسنة. وكان المنهاج العفوي المتوارث عن الأجداد يقضي بأن يواصل الفتى تعلم الخط والتمرس به كل يوم ساعات، ثم يأتي حفظ مختارات من الشعر. وهذا ما قام به أخوتي الكبار. وبعد الجلاء بسنة، استحدثت مدرسة في القرية بثلاثة صفوف في غرفة واحدة، وكان الأستاذ عادل الأخوان من أبناء حمص هو المعلم الأول، رحمه الله، فلا أذكر طوال السنة الدراسية عنده أنه ضرب واحداً من طلابه، لكنه كان يكتفي بالقول إنه سيحكي مع والد الفتى المشاغب والمقصر.

كان نصيبي أن أدخل الصف الثالث برفقة تلميذين آخرين. ولعل القصائد التي كنت أحفظها، ومنها قصيدة "فتح عمورية" لأبي تمام، هي التي شفعت لي بدخول الصف الثالث. وخلال الصيف، درست حساب الصف الرابع، ثم انتقلت إلى حمص لأدرس الصف الخامس وأحصل على الشهادة الابتدائية. ومن ثم تابعت الدراسة في إعدادية "خالد بن الوليد"، وكانت تسمى يومئذ "التجهيز". ومن أساتذة الأدب الكبار، كان الشاعر رضا صافي والدكتور شاكر الفحام، قبل أن يواصل دراسته العليا في جامعة القاهرة. ولا يمكن أن أنسى فضل هذين المعلمين الجليلين، ما حييت. وأذكر أن الأستاذ صافي أهداني، عشية الاحتفال الذي أقامته المدرسة في نهاية العام، "مختار الصحاح" وكتب بخطه الأنيق: "علي! أعجبني جدك المتواضع وأناتك العاقلة، فتابع سيرك والله يتولاك." وأرجو أن يكون أبناء أخي في القرية ما زالوا يحتفظون بذلك المعجم ذي الغلاف البني الغامق الجميل. والهدية الثانية المدهشة كانت عددا قديما من مجلة "الهلال"، وقد حصلت عليها من الأستاذ رفعت الوفائي، معلم الفيزياء. وفي ذلك العدد قصة مؤثرة عن طيار يهبط على سطح القمر، وينظر من هناك إلى أمه الأرض بلهفة، ولا يدري متى يعود. وتاريخ العدد يرجع إلى الأربعينات من القرن الماضي، ولم أعد أتذكر السنة، وإن كان يلوح لي أحيانا بأنه 1942.

في ربيع 1952، وأنا في الصف الثامن، أصبت بالتهاب رئوي حاد. وكان لا بد من دخول المستشفى الوطني بحمص، وكان للدكتور مختار الأتاسي عناية كريمة لا أنساها. وفي شتاء القرية الصحراوي، تطور المرض وعانيت من تلك المشكلة الموجعة طوال أربع سنوات، ثم انتهت بعملية جراحية في "مشفى المجتهد" بدمشق، على يد جراح فرنسي زائر، وقد وافقت يومئذ على العملية، دون إعلام الأهل، أملا في أن أموت وأرتاح. وأذكر أني كتبت هذه الأبيات في تلك العشية التي حسبتها آخر ليلة لي في هذه الدار:

هنا تضمد الجرحَ يا شاعرُ       ويحضنك العالمُ الآخرُ

هنا ذكرياتي، على صمتها       يضيق بضوضائها الخاطرُ

هنا، يا عروسَ الخيالِ الشرودِ... يشيِّعني وحيُكِ الطاهرُ

هنا، والأساةُ كسربِ الفراشِ... يهدهده روضك العاطرُ

تلفَّتَ قلبي يريد الوداعَ ... فمزَّقه العدمُ الكافرُ

ألا أُفلِتَ السهمُ من قوسه                فنام على جرحه الطائرُ

وأذكر أن حكيم التخدير في غرفة الجراحة، حين طلب إلي أن أعد، رددت البيت الأخير.. وغبت عن الوعي.

لكني، قبل تلك العملية بسنة، كنت قد درست الإعدادية في البيت ونجحت، مُركزاً عى ثلاث مواد أحبها: الأدب العربي، والرياضيات، واللغة الإنكليزية. ونزولا عند نصيحة الدكتور مختار، كان علي أن أتابع العلاج في دمشق أو في لبنان. واختار الأهل لبنان، حيث أمضيت نحو عشرة أشهر تحت العلاج والمداخلات الجراحية. وكان في ذلك المصح الجبلي مكتبة تضم نحو ألف كتاب، ولم يكن لدي من عزاء أو تسلية غير القراءة. وما زلت أذكر "مدامع العشاق" لزكي مبارك، وسحرتني فيه قصيدة كثير عزة:

خليليَّ هذا ربع عزة فاعقلا       قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّتِ

فحفظتها وحفظت عشرات القصائد غيرها. ولعل أجمل ما صادفته في تلك المكتبة ترجمة البستاني للإلياذة، إذ يبدؤها بقوله:

ربةَ الشعرِ عن أخيل بن ڤيلا    أنشدينا واروي احتداما وبيلا

كان الشعر منذ الطفولة سلوتي الممتعة، وكنت أنهمك في تقليب صفحات الدواوين القليلة في بيتنا، بحثاً عن أبيات تفيدني في المنافسات الشعرية مع الأصدقاء، إذ كان عليك أن تستحضر بسرعة بيتاً يبدأ بحرف الرويّ الذي انتهى إليه رفيقك المنافس، وإن تلكأت خسرت الرهان. وكانت الدواوين التي ذكرتها آنفاً، إضافة إلى ما يضم دفتر "الكارُّو" من قصائد، هي مرجعنا. والطريف في قصائد "الدفتر" أنها هدايا من الضيوف الذين كان أبي حريصاً على استقبالهم وإكرامهم والسهر معهم ليبيتوا في "المنزول" الخاص بإيواء كل قادم غريب، وكانوا يجلبون معهم تلك القصائد هدايا لا تقدر بثمن، ومنها قصائد الشعراء الذين شاركوا في مهرجان المعري: الجواهري، عمر أبو ريشة، بدوي الجبل، فضلاً عن مختارات لشعراء آخرين من مصر والعراق ولبنان، ومنهم: أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، جميل صدقي الزهاوي، معروف الرصافي، الأخطل الصغير...

أطلت الحديث عن سنوات القرية لأنها التربة الخصبة والمناخ الطيب والحاضنة الأولى والأساسية لانطلاقتي الشعرية، وهي كيمياء تجربتي في الحياة ومعاشرة الكلمة، بكل ما لها وما عليها. وأنا هنا أختار كلمة "العشرة" لأني أراها أقرب وأدق وأعمق دلالة من أي مفردة أخرى، فلا صلة قربى دم أو رفقة عمر مع أم أو حبيبة أو ابنة أو صديقة أقوى من عشرة الكاتب، والشاعر بخاصة، مع الكلمة. في شعري قضيتان أساسيتان، فلسطين وهاجس العدالة الاجتماعية. بؤس الحياة الريفية والسكن في الأحياء الشعبية الفقيرة في المدن، ومنها مخيم اليرموك بدمشق، فضلا عن التأثر بالأساتذة، كان وراء حلم العدالة والدافع للالتزام بالخط الاشتراكي حتى الشهقة الأخيرة من حياتي. وأذكر أن انهيار الكتلة الاشتراكية آلمني، وكتبت قصيدة "الإعصار". وفي سهرة عزيزة مع الروائي الصديق حيدر حيدر تداولنا طويلاً في شجون ذلك الانهيار، وتوصلنا إلى قناعة فكرية أن البشرية لم تصل بعد المستوى الحضاري الذي يؤهلها للسير في النهج الاشتراكي وتحقيق العدالة الإنسانية، في منجاة من البيروقراطية والاستبداد الستاليني.

أما فلسطين، فقد كان الأستاذ يوسف موعد هو المعلم الثاني في قريتنا، مشرداً مع أسرته في سنة النكبة. وأذكر جيداً كيف كانت أمي وخالاتي وزوجة الأستاذ موعد يعقدن جلسات الندب والحسرة، وخاصة أن ابن خالتي كان سائق دبابة في فلسطين. وقد سمعت أن الأستاذ موعد سافر مع أسرته إلى الكويت، ومن هناك انتقل إلى رحمة ربه ورضوانه. وأساتذة اللغة الإنكليزية في الإعدادية والثانوية، إضافة إلى الدكتور موسى الخوري، رئيس قسم اللغة الإنكليزية في كلية الآداب بجامعة دمشق، كانوا أيضاً من فلسطين. وهناك عشرات وعشرات من الأصدقاء والجيران وزملاء الدراسة والعمل ورفاق السهر والنقاش والالتزام الفكري، ولا أقول الحزبي، كانوا جميعاً من فلسطين.

كانت الإذاعة، كما كانت السينما، عاملاً إضافياً مهماً ورافداً ثقافياً غزيراً في حياتي وحياة نسبة كبيرة من أبناء جيلي. من إذاعة دمشق، سمعت طه حسين يتحدث عن الشعر الشامي الذي يجمع بين السلاسة في الشعر المصري، والجزالة في الشعر العراقي. ومن صوت العرب، استمعت إلى روائع المسرح العالمي. وأذكر أن "لكل حقيقته" للكاتب الإيطالي بيرانديللو هزتني من الأعماق، فضلا عن بعض أعمال شكسبير. وأجمل الروايات والملاحم، شاهدنا أفلاماً عنها في السينما: طروادة، الحرب والسلام، ذهب مع الريح، هاملت، البؤساء، دون كيشوت، لمن تقرع الأجراس.. وكثير غيرها. وكان للجو الجامعي المنفتح والأساتذة المتميزين، من عرب وأجانب، أثر بالغ في إغناء اطلاعنا وثقافتنا، ومن هؤلاءالأساتذة الأجلاء الدكتور غسان المالح، أستاذ المسرح، والشاعر ليو هاماليان، الأستاذ الأميركي الزائر- وهو من أصل أرمني، وكان أستاذ الشعر والأدب العالمي. كنا نزوره في بيته، أو نلتقي به على كأس في مطعم مكسيم، ونرافقه أحيانا إلى المركز الثقافي الأميركي، لنستمع إلى قصائد إليوت، أودن، والت ويتمان.. وغيرهم مسجلة بأصواتهم.

لم أكن في تلك المرحلة من محبي شعر نزار قباني، لكن الأستاذ المالح ناقش معنا يوماً قصيدة "خبز وحشيش وقمر"، ثم توجه معنا إلى نادي الطلبة لنستكمل الحوار على فنجان قهوة، رغم الملاحظات البيروقراطية التي تلقاها بعد ذلك من عمادة الكلية لجلوسه مع الطلبة في ذلك النادي. من ذلك اليوم، تغيرت نظرتي إلى شعر نزار، رغم أن مجموعتنا ذات الميول الاشتراكية كانت تفضل الشاعر السوداني محي الدين فارس، وكنا نطرب لانتقاده نزار، وخاصة في قصيدة "من يوميات بورجوازي" التي نشرها في مجلة "الآداب" اللبنانية، وفيها يقول:

ليلي خمورٌ وبغايا       يسبحنَ في شفق النورِ

جسمٌ لجسمٍ منجذبٌ      يصبُّ حمَّى التنورِ

كانت هزيمة حزيران أقسى ما مر في شبابنا من كوارث وأهوال، ولن أتوقف عندها مكتفياً بهذه الإشارة. أما الأسفار والرحلات الجامعية والصحفية والأدبية، فكانت عنصراً آخر في تشكيل تجربتنا وتلوينها. وأنا أتحدث هنا بالجمع، لأني لا أعتبر نفسي أكثر من قطرة في موجة جيل الشعر الحديث، وهذا الجيل – برواده ومن جاء بعدهم.. وحتى اليوم- ليس أكثر من موجة في بحر الشعر العالمي، على اختلاف المدارس وتباين الأساليب والرؤى والأشكال. إن ثقافة البلدان المختلفة، بمن فيها وما فيها، تزيد التجربة عمقاً واتساعاً وتمنحها رؤى جديدة وأبعاداً إضافية وألوانا زاخرة، لأن الواقع أغنى من احتمالاته – كما يقول أحد الفلاسفة. لكن أسوأ الرحلات وأشدها بؤساً وخيبة كانت تتجلى في المؤتمرات الأدبية ومهرجانات الشعر، على اختلاف العواصم التي تعقد فيها. وأذكر أن صديق الحانات الجميل حافظ الراوي، كان يعلق ساخراً على مشاركتنا في تلك المؤتمرات قائلا: "ما شاء الله، أرى أن صحتكم يا شباب تحسنت على مؤتمرات العلف، تهانينا!"

موسكو، لينينغراد (بطرسبورغ)، أثينا، روما، سمرقند، برلين، سان فرانسيسكو وقصور النجوم في هوليوود، استوكهولم، يريڤان، وحتى اسطنبول.. مدن جميلة، ولكل منها ملامح متميزة وذكريات دافئة أثيرة، لكن أجمل البلدان الأجنبية وأغناها محبة وتأثيراً في حياتي الثقافية وتجربتي الشعرية كانت اليابان، وربما لأنها الأطول، رغم أن زيارة الولايات المتحدة مع أربعة من الأصدقاء كانت سارة ومفيدة، وقد أتاحت لنا الاطلاع المكثف على نماذج جيدة من المسرح الأميركي وألوان من تجاربه، في خمس ولايات متباعدة. وكانت مسارح برودواي في نيويورك أبدعها وأغناها. أما في اليابان، فيبدو كل شيء ساحراً، بدءاً من الطبيعة بشواطئها وجبالها وأشجارها وأزهارها وينابيعها الحارة.. وحتى برهبة زلازلها، وليس لي أن أنسى طيبة أهلها. يكفي أني طوال ثلاث سنوات لم أشهد أي مشاجرة، مع أني كنت أسهر أسبوعياً في مرابع السمر والشراب والغناء مع اللحن المسجل (كراوكي) حتى موعد الإغلاق في الرابعة صباحا. هناك رؤى ولمحات من غنى التجربة اليابانية يمكن أن يجدها القارئ مبثوثة في قصائد مجموعتي الشعرية "أطياف من لياليها"، ولعل القارئ يجد طفرة نوعية وتحولاً فنياً واضحاً في العبارة الشعرية برموزها وأشجانها ومكنونات الهواجس التي تحتفي بالتقاط خلجاتها، كما يظهر جلياً اختلافها عن المجموعات السابقة المثقلة بالهم السياسي ورهاب الكوابيس التي توشك أن تكتم الأنفاس.

وفي كتابي السردي "السيف والمرآة: رحلة في جزر الواق واق" تبدو الصورة أوضح وأبسط وأصفى. ولعل هذا الكتاب، إلى جانب "الأطياف.."، سيظل أغلى وأعذب ما أترك من آثار، لأنه ثمرة محبة وإعجاب يصل حدود الذهول والانخطاف أحياناً. إن تجربتي هناك أقرب ما تكون إلى طراز خاص ومختلف من العشق الصوفي، بكل تهويماته ولوعاته وهلوساته، في أسمى سبحات الروح وأبهى جنون الجسد. وربما كانت مأساة هيروشيما أقسى ما خبرته في تلك البلاد، ومنها استوحيت "هيروشيما سوريا".

يبدأ الكتاب بهذا المقطع من قصيدة "غربة صوفي آخر"، إشارة إلى عبد الباسط الصوفي الذي صرعته حمَّى "مكادي" في غينيا، وهو في التاسعة والعشرين:

قمرٌ في آخر الدنيا يناديكَ

فهل تخشى على الأحبابِ من بردِ الليالي

في نهاياتِ خريفِ العمرِ

إن لبَّيت ميعاد القمر؟

وفي ختام الكتاب أقول: ".. لعل أجمل حكمة خرجت بها من تلك البلاد جاءت من مصارعة لم أكن أحبها ولا أميل لمشاهدتها. إنها مصارعة السومو Sumō، وهي تجري بين رجال ضخام يبلغ وزن واحدهم نحو مئة وخمسين كغ أو أكثر. المباراة تجري داخل دائرة من القش، من تزل قدمه إلى خارج الدائرة يخسر.. ومن يلامس أرض الحلبة بغير أخمص قدميه يخسر أيضا. وفلسفة هذه الرياضة تقول: إن لكل كائن وكل جرم في هذا الكون مجالا ومركز ثقل أو نقطة ارتكاز، فإذا اختل مركز ثقله سقط وانتهى، وإذا خرج من مداره انتهى. وهذه الحكمة تنطبق على الأفراد والجماعات والأمم.. وحتى على الأجرام السابحة في الفضاء."

الكلمة الوجدانية الحميمة التي أود أن تكون مسك الختامترجو أن ننظر باهتمام ومحبة وإجلال إلى جيل الرواد في حركة الشعر الحديث، إلى جانب المسرح والقصة والرواية. وكم أتمنى لو أن المناهج التربوية، فضلا عن كليات الآداب في الجامعات العربية، تحتفي بإنتاج أولئك الأساتذة الكبار: بدر شاكر السياب، خليل حاوي، صلاح عبد الصبور، نازك الملائكة، علي الجندي، محيي الدين فارس، صلاح إبراهيم، عبد الوهاب البياتي، أدونيس، نجيب سرور، محمد الماغوط، حامد بدرخان، عبد الله البردوني.. إلى جانب يوسف إدريس، محمود دياب، سعد الله ونوس، الطيب العلج، عز الدين المدني، إبراهيم جلال، يوسف العاني، سامي عبد الحميد، عبد الكريم برشيد.. ومعهم: غسان كنفاني، الطيب صالح، جبرا إبراهيم جبرا، ألفة الإدلبي، توفيق يوسف عواد، جمال الغيطاني، زكريا تامر، إبراهيم أصلان... وكثير غيرهم.

وفي الوقت ذاته، أتطلع أن يشمل الاهتمام الدراسي كوكبة أخرى سابقة، ومنهم: معروف الرصافي، عمر أبو ريشة، الأخطل الصغير، بدوي الجبل، حافظ إبراهيم، أبو القاسم الشابي، أحمد شوقي، شفيق جبري، إضافة إلى جماعة أبوللو وفي طليعتهم علي محمود طه الذي أعتبره أحد أساتذتي الكبار في اختيار الكلمات الأنيقة، كما أعتبر أبو ريشة (وليس "أبا" لأنه اسم مركب) معلمي الكبير في إيلاء خاتمة القصيدة تركيزاً شديداً، كما لا أنسى أن السياب هو الذي دفعني إلى الاستغراق في عالم الأساطير، أما تأثير الرواية اللاتينية وأعلامها: (أستوراس، ماركيز، أمادو، ألليندي.. وغيرهم) فقد جعلني أجهد في قراءة أساطير الواقع بإمعان.

لن أتحدث عما يجري في واقعنا العربي، على امتداد "توابيته" – كما وصفه محمد الماغوط - لكني أفاجئ الأصدقاء دائما بأني متفائل، رغم فداحة الكارثة وفجائعية هذا الواقع. فإما أن نخرج نهائيا من عصور القهر والنخاسة والظلام، وإما أن ننقرض.. وفي كلتا الحالين، ستكون العاقبة أفضل وأجدى لمستقبل البشر وحضارتهم الإنسانية على هذا الكوكب الجميل...

 تنويه من فينكس:

مكان ولادة الشاعر علي كنعان: قرية (الهزة) على أطراف البادية السورية بين حمص وتدمر – 1936.

دراسته: إجازة في الأدب الإنكليزي – جامعة دمشق – 1965.

راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟