كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حماة بين إرث العشق والمسؤولية المجتمعية.. د. وجيه البارودي نموذجاً للمواطنة

فراس حمدون

 تفتخر الكثير من الحواضر بمخزونها الثقافي الذي صاغ هويتها عبر التاريخ، لكن لمدينتنا حماة فرادة وتجلياً خاصاً؛ فرونقها لم يصنعه نهرها العاصي ونواعيرها وبساتينها فحسب، بل شيدته قيم أهلها من طيبة، وكرم، وشيم عربية أصيلة.
لقد ساعدت ظروف شتى على صون هذا الموروث الأخلاقي، لعل أبرزها الأجواء الدينية والمجتمعية المعتدلة،والعادات الراسخة، والنسيج الاجتماعي المترابط الذي حافظ على صلات القربى؛ إذ لم تشهد حماة تاريخياً هجرات عشوائية حادة تؤثر على تركيبتها، وظلت علاقات القرابة والمعرفة والود سمة متميزة تجمع أهالي المدينة، وتُهدي مجتمعها إرثاً من الاحترام المتبادل، لتكتمل بهذه المنظومة قصة مدينة تستحق العشق عمراً بأكمله.
معضلة الأقلية وسلبية "الـمُداراة"
إلّا أن من سنن الحياة ونواميس المجتمعات، أنه حتى لو بلغت نسبة السلوك القويم في المجتمع الأغلبية الساحقة (لتكن 98 % مثلاً)، فإن النسبة الضئيلة المتبقية هي التي تتصدر المشهد، وتطفو بسلوكياتها السيئة على السطح لِتُعبّر ـ زُوراً ـ عن واجهة المجتمع.
وفي مقابل هذه السلوكيات السلبية، تظهر لدى السواد الأعظم "%98“من أهل المدينة خصلة قد تبدو طبيعية في الأحوال العادية، لكنها سلبية النتيجة؛ وهي "عدم التدخل" والابتعاد عن ردع التصرفات المزعجة للأقلية، رغبةً في مداراة الجيرة، أو مراعاةً للقرابة، أو تمسكاً بالمثل الشعبي القديم: "ابعد عن الشر وغنيله".
د. وجيه البارودي.. مدرسة الانفتاح والمواطنة الحقة
وهنا، يستحضر الوجدان شخصية استثنائية تركت بصمة مؤثرة في تاريخ حماة المجتمعي لعقود طويلة؛ إنه الدكتور وجيه البارودي. ولسنا هنا في معرض الثناء على علمه في الطب، ولا شعره الذي هزّ وجدان المدينة، بل نستحضر دوره الريادي في صياغة "الثقافة المجتمعية" نتيجة عقليته المنفتحة والمستنيرة.
لقد كان د. البارودي مدفوعاً بحب جارف لمدينته وشعبها، وهو ما جعله ينتقد بشدة ـ في الواقع وفي قصائده ـ الكثير من الموروثات السلوكية الخاطئة التي كان البعض يظنها طبيعية نتيجة غياب الوعي.
بينما كانت في الحقيقة سلوكيات فوضوية ومزعجة. ولا زالت الذاكرة الحموية تروي طرائفه وقصصه، كأن يستوقفه مواطن في السوق ليشكو له مرضه ويطلب وصفة طبية بينما الطبيب يشتري خضاره من عند البائع ، فيرد عليه البارودي بأسلوبه النقدي اللاذع ليعلمه احترام الوقت والخصوصية.
هذه الرسالة التنويرية التي حملها البارودي بفطرته الإنسانية لم تكن تكليفاً من جهة ما، بل كانت نابعة من حسٍّ وطني عالٍ، ومسؤولية أخلاقية تجاه مدينته.
نحو ثقافة التدخل الإيجابي.. من الفضاء الرقمي إلى الأرض
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى أمثال تلك القامات الشجاعة لتغيير العقلية المجتمعية، والوقوف في وجه الظواهر الغريبة والسيئة التي باتت تطغى على مشهدنا اليومي.
صحيح أن الإرشاد والتوعية مسؤولية، وبنسبة كبيرة تقع على عاتق الدولة والمؤسسات التربوية، لكن "المواطن" يجب أن يفعل دوره في لجم هذه المظاهر، والتدخل الإيجابي العاقل لمنع انتشارها، دون الانجرار إلى مشاحنات أو شجارات مجتمعية، لتتحول هذه الوقفة إلى "ثقافة عامة".
اليوم، نشهد الكثير من الأصدقاء يشيرون ـ مشكورين ـ إلى هذه الظواهر عبر منصات التواصل الاجتماعي محذرين من عواقبها، وهي عواقب تصل أحياناً إلى حد المآسي وفقدان الأرواح. لكن التغيير الحقيقي يجب أن ينتقل من الشاشات الزرقاء إلى أرض الواقع.
ولعل ما شهدناه بالأمس يختصر المأساة؛ مشهد مريع لسقوط شاب وهو يتسلق الناعورة بين الناعورة و الجدار الحجري الحامل لها. هذا المشهد يتلخص في زاويتين:
1 - شاب يسعى لفت الانتباه واستعراض شجاعته الزائفة بأي ثمن، ولو كانت حياته هي المقابل.
2- جمهور يقف متفرجاً بلا حراك أو اعتراض، بل إن بعضهم ينظر إلى المغامرة بإعجاب!
وهنا تكمن المشكلة الأساسية؛ فهؤلاء الصامتون والمشجعون هم من يمنحون هذه الظواهر وقوداً للانتشار، مكتفين بالانتقاد في المجالس الخاصة والمغلقة دون أي ردة فعل ميدانية تُشعر المخطئ بخطئه.
وقس على ذلك مظاهر أخرى تؤرق مضجع المدينة، كظاهرة القيادة الرعناء للدراجات النارية (التشبيب) ورفع مقدمتها في الهواء معرضين حياة المارة وحياتهم للخطر، أو قيادة السيارات في الاتجاهات المعاكسة.
إن مجتمعنا بحاجة ماسة لثقافة "التدخل الإيجابي الواعي".. ثقافة لا تقبل الخطأ ولا تصفق للمتهور، لتبقى حماة كما كانت دائماً: مدينة الطيبة، والنقاء، والوعي الأصيل.
******
 إذا كان التغني بأمجاد الماضي يستنهض الهمم، فإن مواجهة تحديات الحاضر تتطلب تفكيكاً علمياً للظواهر السلبية، وتحديد جذورها النفسية والاجتماعية لبناء حلول عملية قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
إن الانتقال بمجتمعنا من "موقف المتفرج" إلى "موقف الشريك الفاعل" يستدعي قراءة الواقع وفق المحاور والحلول المقترحة التالية:
1. سايكولوجية "صناعة البطل الزائف" في عصر السوشيال ميديا
الفكرة: إن الشاب الذي يتسلق الناعورة أو "يشبّب" بالدراجة النارية لا يفعل ذلك في فراغ، بل يبحث عن "الـلقطة" (Trend).
التحليل: كاميرات الهواتف الذكية التي تصوره وتحوله إلى مقطع متداول على "تيك توك" أو "فيسبوك" هي الوقود الحقيقي لهذه السلوكيات. تحول المتهور في نظر أقرانه من "مخطئ" إلى "بطل رقمي" يحصد الإعجابات، مما يغري مراهقين آخرين بتقليده لتعويض نقص تقدير الذات.
2. مفهوم "تأثير المتفرج" وتأصيله محلياً
الفكرة: تفسير علمي لسبب وقوف الناس بلا حراك أثناء وقوع الكارثة.
التحليل: في علم النفس الاجتماعي، كلما زاد عدد المتفرجين، قلّ شعور الفرد بالمسؤولية الشخصية عن التدخل (ظناً منه أن شخصاً آخر سيفعل). في حالة حماة، يمتزج هذا التأثير النفسي مع "الخجل الاجتماعي" والخوف من الصدام مع عائلة المخطئ، مما يُنتج صمتاً جماعياً يُفسره المتهور بأنه قبول أو تشجيع.
3. غياب "المساحات البديلة" لتفريغ طاقات الشباب
الفكرة: نقد بنيوي لغياب الحواضن التي تستوعب طاقة المراهقين.
التحليل: لوم الشباب وحده لا يكفي؛ فالمدينة بحاجة إلى تفعيل أكثر للأندية الرياضية، الساحات المخصصة للأنشطة، والمسارح والجمعيات التنموية. غياب هذه البدائل يجعل الشارع والمظاهر الخطرة هي المتنفس الوحيد المتاح لتفريغ "الأدرينالين" وإثبات الذات.
4. نقد "النفعية الشخصية" على حساب الفضاء العام
الفكرة: كيف تحول مفهوم "الملكية العامة" في العقلية الجمعية؟
التحليل: استعارة روح الدكتور وجيه البارودي هنا تكون عبر انتقاد عقلية "المهم بيتي وسيارتي، والشارع ليس مسؤوليتي". قيادة السيارات عكس السير أو تشويه المرافق العامة (كالنواعير والأرصفة) يعكس تراجع "الحس البيئي والجمالي للمدينة" الذي تميزت به حماة تاريخياً عبر بساتينها وعمارتها، وتحوله إلى نفعية ضيقة تستبيح الممتلكات العامة.
5. المفارقة بين "الشهامة التقليدية" و"السلبية المعاصرة"
الفكرة: مقارنة بين مفهوم "ابن الحارة" قديماً والآن.
التحليل: موروث حماة القديم قائم على فكرة "النخوة"؛ حيث كان أي كبيراً في الحارة يملك سلطة معنوية لزجر أي شاب متهور وتأديبه دون أن يغضب أهله، بل كانوا يشكرونه. المفارقة اليوم أن العادات تطورت نحو "الانعزالية"، وفُقدت تلك السلطة المعنوية لكبار السن والوجهاء في الأحياء لصالح الانكفاء على الذات.
6. مقترح عملي: "ميثاق الشرف المجتمعي" لمدينة حماة
الفكرة: الخروج من التنظير إلى الحلول الأرضية.
التحليل: اقتراح تبني لجان الأحياء، المخاتير، والوجهاء بالتعاون مع المنصات التفاعلية الحموية الكبيرة لـ"ميثاق شرف" يُرفع الغطاء فيه عن أي متهور، ويُشرعن التدخل اللفظي التوعوي بوصفه "حماية للمدينة" وليس "تطفلاً" أو "قلة احترام للجيرة".
"بانتظار تحليلكم ومقترحاتكم العلمية والجادّة لهذه الظواهر."