علي سالم البيض المسؤول اليمني الأول الذي التقاه فيصل جلول
2026.01.20
فيصل جلول
علي سالم البيض المسؤول اليمني الاول الذي التقيته
تاخرت عن الموعد ساعتين لكنه لم يغضب وانعقد اللقاء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان السيد علي سالم البيض المسؤول اليمني الاول الذي
التقيته في بداية اهتمامي باليمن واهله. تم اللقاء في الجزائر العاصمة. كان ضيفا على المجلس الوطني الفلسطيني الذي التأم برعاية جزائرية وتمت على هامشه مصالحة فلسطينية ـــ فلسطينية ستمهد من بعد لاعلان "الدولة الفلسطينية المستقلة".
كنت اعمل حينذاك في مجلة "اليوم السابع" الفلسطينية الصادرة في باريس والمحتجبة اليوم (1983 ـــ 1991) وكان البيض يشغل منصب لأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني أي المسؤول الاول في جمهورية اليمن الاشتراكية الديموقراطية الشعبية بحسب قواعد الحكم النافذة في الدول الماركسية.
اتفقنا على اللقاء ليلا في منزل قاسم عسكر السفير اليمني في الجزائر العاصمة، حيث كان ينزل البيض. تأخرت عن موعد اللقاء ساعتين وظننت ان وصولي متأخرا سيطيح بالموعد وسيتسبب لي بامتعاض الرجل ومساعديه لكن "الرفيق قاسم عسكر" تفهم سبب تأخري الناجم عن وقوعي ضحية لسائق تاكسي يعمل بالعداد تجول بي وسط زحمة السير في كل انحاء العاصمة ولم أتمكن من وضع حد لهذه المغامرة التعسة الا عندما استنجدت بشرطي مرور هدد السائق وامره بان يوصلني بأسرع وقت الى بيت السفير اليمني بعد ان سجل رقم سيارته.
روى قاسم عسكر ما جرى لي للبيض الذي نزل من الطابق الثاني من المنزل(دوبلكس) مبتسما والقى علي تحية ودية، مشيرا الى ان امرا من هذا النوع لا يمكن ان يقع في عدن. بدا لي في هذا اللقاء ان البيض لا يعلق أهمية كبيرة على الشروط البروتوكولية شأنه شأن المناضلين الماركسيين خلال الحرب الباردة. دامت الجلسة الى ما بعد منتصف الليل وختمها بدعوتي لزيارة عدن ثم طلب من السفير قاسم عسكر ان يوصلني بسيارته الى الفندق كي لا أقع فريسة مرة اخرى لسائق اخر ثم قبلني مودعا وكأنه يعرفني منذ زمن طويل.
عبر البيض في ذلك اللقاء عن غضبه الشديد من احتضان الرئيس علي عبد الله صالح للجناح الذي خسر حرب يناير ـــ كانون الثاني عام 1986 في عدن بزعامة الرئيس الاسبق علي ناصر محمد. اذكر انه استخدم للقياس مثالا يمنيا ريفيا بما معناه ان (تجميع المياه في مكان واحد سيدفعها الى شق طريقها والسير في الاتجاه المتاح لها)وبالتالي فان تجميع أنصار علي ناصر محمد في صنعاء وافتتاح معسكرات خاصة بهم للتدريب وإذاعة تتحدث عنهم وصحيفة تنطق باسمهم، لا يمكن الا ان يكون عملا عدائيا ضد جنوب اليمن وهدد بانه قادر هو أيضا على تجميع خصوم الرئيس علي عبد الله صالح في عدن لكنه يمتنع لانه يريد أفضل العلاقات مع جيران( الجنوب) وبخاصة شمال اليمن.
وفي السياق تحدث البيض عن اكتشاف النفط للمرة الاولى والاتفاق مع شركة "الف أكيتان" الفرنسية للعمل في الجنوب اثر زيارة قام بها الى باريس وزير النفط
الجنوبي الراحل ابو بكر صالح بن حسينون. وربط البيض النفط بالاشتراكية قائلا
لن يكون النفط الا لخدمة الاشتراكية في بلدنا لكنه سيغير موقفه من بعد ويعتبر ان (النفط يمكن ان يتسبب بتشتيت اليمنيين واحترابهم وبالتالي الحؤول دون توحدهم لذا قررت طي الامر وكشفه بعد الوحدة اليمنية).
ِ ْمنعت "اليوم السابع" في صنعاء بعد نشر المقابلة مع البيض ووصل الينا قرار المنع مصحوبا بتهديد بان لا تدخل المجلة بعد اليوم الى اليمن الشمالي "إذا ما تكرر نشر مثل هذه المقابلات".
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، فقد اشتكى المعنيون الى الرئيس ياسر عرفات الذي اتصل بالمجلة وطلب منا الحرص على النشر المتوازن بين شمال اليمن وجنوبه. علما ان عرفات كان أقرب الى الرئيس علي عبد الله صالح في حينه واقترح ان تلعب "القوات الفلسطينية" المتواجدة في اليمن دورا في فصل المتحاربين في أحداث يناير 1986 غير ان البيض رفض هذا الاقتراح بشدة وقال
بانه لن يقبل ان تكون عدن مثل بيروت خلال الحرب الاهلية مقسمة بين شرق وغرب وخطوط قتال دائمة.
اللقاء الثاني مع البيض تم بعد سنوات قليلة خلال الاحتفال بعيد الوحدة اليمنية في دار الرئاسة في صنعاء حيث شاءت الصدف ان أكون مجاورا لرفاق البيض اللبنانيين الكبار كالسيد محسن إبراهيم الامين العام الراحل لمنظمة العمل الشيوعي والسيد نديم عبد الصمد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي
اللبناني... صافحني البيض بحرارة وابدى اعجابه بالخط الوحدوي الذي انتهجته "اليوم السابع" وأشار الى أحد رفاقه بان يرتب موعدا للقاء به فيكون الاول بعد الوحدة.
لم التق البيض من بعد وذلك لاسباب عديدة أهمها ان الفترة الوحدوية التي جمعته مع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح لم تتعد الاربع سنوات كانت خلالها صنعاء تعيش على وقع عمليات اغتيال طالت أنصار الحزب االشتراكي اليمني ووصل أحدها الى محاولة اغتيال رئيس البرلمان الوحدوي الاستاذ ياسين سعيد نعمان فضلا عن اعتكاف البيض المتكرر احتجاجا على ما كان يسميه "تفرد صالح بالحكم" وارتجاله. ناهيك عن اتضاح وجهة رفاقه وبخاصة حيدر أبو بكر العطاس بالعودة الى نظام الدولتين أي الى ما قبل الوحدة واخيرا اقامته في سلطنة عمان حيث تعذر اللقاء به.
*هذا النص هو جزء من كتابي (غيض من فيض يمنيات علي سالم البيض) الذي صدر في العام 2022 في بيروت عن دار زمكان وصدرت طبعته الثانية عام 2025.
رحم الله علي سالم البيض وحفظ اليمن واهلها الكرام.