الوطن الذي لايحفظ أبناءه ليس وطناً
2026.01.12
ريتا خير بك
مشهدُ الصبيةِ الكرديةِ الشهيدة، وهي تُقذَف من سطح البناء على يد “مجاهدي الله ورسوله”، لم يكن مشهدًا عابرًا في ذاكرتي؛ كان يدًا خشنةً تُعيد ترتيب خمسةَ عشر عامًا من الدم، كأن السنوات لم تمضِ أصلًا، وكأنها كانت تتدرّب فقط على هذه اللقطة الأخيرة.
عاد إلي العاشر من آذار كما يعود القيء إلى الفم: طعمُ الدم لم يجفّ بعد، والصراخُ كان يملأ الرأس حتى لم يبقَ فيه مكانٌ لفكرةٍ واحدةٍ سليمة. كنتُ أسأل بلا توقف: هل دُفنوا؟ أين الجثث؟ من بقي مفقودًا؟ كيف مات؟ هل مات ذلك الشاب حقًا أم ما زال معلّقًا في منتصف الطريق بين خبرٍ ونعش؟ كنتُ أحصي الأطفال لا بوصفهم أطفالًا، بل بوصفهم أيتامًا مؤجّلين. وكانت الأسئلة تُنقِص شيئًا منّي كل مرة، حتى صرتُ أنا نفسي سؤالًا بلا جواب.
لكن الأقسى من الدم، كان الوطن.
حين كنت أقول: أنا سورية. أكتبها كتعويذة، وأُعيدها كمن يضغط على جرحه ليقنع نفسه أنه ما زال حيًا. كنتُ أراجع منشوراتي وأفتّش عن “سوريا” بين السطور، كأن الكلمة نفسها تستطيع أن تصير ضمادًا.
ثم جاء اليوم الذي قررت فيه أن أواجه نفسي: ماذا كنت أعني حين قلت إن لي وطنًا اسمه سوريا؟ ماذا كنتُ أحمل في هذه الكلمة طوال أربعة عشر عاما؟ هل كنتُ أحمل وطنًا حقًا… أم كنتُ أحمل خوفًا مُهذّبا في هيئة هوية؟
فجأة عاد الوطن إلى حجمه الحقيقي: جغرافيا صغيرة، ضيقة، لكنها كانت تكفي القلب. ضيعتُنا. حارتي في اللاذقية. فنجان قهوة على البحر حين يكون البحر أقرب من السياسة. كأس متة في مقام بأعالي الجبل، لا لأن المقام يصنع قداسةً خارقة، بل لأنه يصنع شيئًا أبسط: إحساسًا بالأمان. الأمان… هذه الكلمة التي اكتشفت أنها كانت تعريف الوطن منذ البداية، وأن كل ما عداه كان استعراضًا لغويًا.
الوطن كان جدي أبو جميل، وبيته الحجري في أعلى الجبل. كان رائحةَ حجارةٍ دافئةٍ بالشمس، وظل شجرةٍ تعرف أسماءنا دون أوراق ثبوتية. كان ليالي حزيران في الغاب، وأراضي القطن المسقيّة، ومشهد الحصاد حين كان التعبُ جميلًا لأنه لا يحمل معنى الموت. كان آخرَ تلةٍ تقف عليها أشجار الزيتون كحراسٍ قدامى لا يفهمون الخرائط، لكنهم يفهمون من يحقّ له أن ينام دون أن يضع أذنه على باب البيت.
ومن هنا تأتي القسوة التي لا تعجب أحدًا: إذا كانت سوريا بالنسبة لي هي الساحل والغاب، وإذا كان جسدي لا يعرف الأمان خارج هذا الشريط البسيط بين الجبل والبحر، فبأي معنى يمكنني أن أسمّي ما عدا ذلك “وطنًا”؟ ليست القضية أنني أكره دمشق أو حلب؛ القضية أعمق وأخطر: أن الوطن الذي لا يضمن لك الأمان يصبح فكرةً أخلاقية تُستخدم ضدك. يصبح كلمةً يطالبونك أن تموت لأجلها، بينما هي لا تمنحك حتى حقّ أن ترتجف بسلام.
أتذكر أنني ذهبتُ إلى دمشق في 2014، وشعرتُ بالخوف والغربة، وكتبتُ يومها بوضوح جارح: دمشق هي عرين الأسد، وليس الساحل. وإن سقط النظام في دمشق سيسقط الساحل.
ضحك الجميع وسخروا مني. لم يكونوا يسخرون من “تحليل”؛ كانوا يسخرون من حدسي كإنسانٍ يعرف أن الجغرافيا حين تفقد الدولة تتحوّل إلى مصيدة، وأن الأقليات حين تُترك بلا معنى سياسي تصبح مجرد مادةٍ خام للتضحية.
اليوم… أكره نبوءتي، لا لأنني كنت مخطئة، بل لأنني كنتُ مُصيبة. أكره أن حدسي كان يرى مبكرا ما لم يريدوا رؤيته: أن الوطن ليس علما ولا نشيدا ولا شعارا في منشور الوطن هو الحد الأدنى من الأمان. وحين يُسحب هذا الحد الأدنى، تُسحب معه اللغة كلها.
تصبح كلمة سوريا مجرد قشرةٍ جميلة فوق جرحٍ مفتوح. وحين تُقذف صبيةٌ كرديةٌ من سطح بناء، لا يموت جسدها وحده؛ يموت أيضًا ما تبقّى من أكذوبة الوطن الكبير الذي يتّسع للجميع… وهو لا يتّسع حتى لصرخة.
وأمام هذا الانكشاف، لا يعود السؤال: لماذا بكينا؟ بل: كيف لم نبك منذ البداية؟
ففي النهاية، الوطن الذي أحببته لم يكن دولة، ولا مدينة كبرى، ولا مركزًا يوزّع الشرعية. كان ذلك المكان الصغير بين الجبل والساحل، حيث يمكن للإنسان أن يضع رأسه على الوسادة دون أن يتخيّل السكين.
وحين اكتشفتُ هذا، فهمتُ لماذا كانت كلمة “سورية” ثقيلة في فمي طوال هذه الأعوام: لأنها كانت تعني، في عمقها، “أنا أبحث عن الأمان”. لا أكثر. ولا أقل.
المجد للأكراد، لأنهم يرفضون أن يكونوا هامشا في وطنٍ لا يحميهم.
والمجد للعلويين والدروز، لأنهم يعرفون الآن أن البقاء ليس شعارًا، بل معرفةٌ موجعةٌ بمعنى الأمان، وبمعنى أن الوطن الذي لا يحرس أبناءه ليس وطنًا… بل فخٌّ باسمٍ جميل.