كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

إعادة تدوير النخبة.. حين يتحوّل الفشل إلى “نبوءة”

ريتا خير بك

حين كنت أحضّر أول محاضرات الفصل في طرائق البحث العلمي لطلابي في قسم علم النفس السريريّ، توقّفت عند فكرة تبدو بديهية في المختبر، لكنها غائبة بشكل موجع عن واقعنا العلوي:
في العلم، نحن لا نستلم النتائج كحقائق نهائية. نحن نجرّب، نُخطئ، نُراجع، ونضع نظرياتنا تحت ضغط الاختبار. وكما يذكّرنا كارل بوبر، قيمة المعرفة العلمية لا تأتي من ادّعاء اليقين، بل من استعدادها لأن تُفحَص، وأن تُدحَض، وأن تُعدَّل. العلم يتقدّم لأنّه لا يُؤلّه نفسه… ولأنّه لا يحمي فرضياته من النقد.
ومن هنا يأتي كل سخط الكون بوصفي امراة لا باحثة ولا أكاديمية فقط امراة تنتمي إلى هذه المجموعة البشرية و تحاول أن تفهم:
لماذا نصر على إعادة تدوير أشخاصٍ وأفكارٍ وتياراتٍ أثبتت فشلها الذريع على مدى أربعة عشر عاماً؟
فشل لم يكن تفصيلاً، ولا خطأً عابراً في قراءة موقف سياسي، بل سلسلة متواصلة من العجز عن فهم الواقع، ثم العجز عن الاعتراف بالعجز.
وحين سقط النظام، بدا أنّ كثيرين ممن قدّموا أنفسهم بوصفهم العقل السياسي لم يملكوا حتى المفردات اللازمة لشرح ما حدث، ولا الشجاعة لتسمية مسؤولياتهم الأخلاقية والمعرفية.
الأكثر إيلاماً أنّ بعض هؤلاء لم يكتفِ بأنه أخطأ؛ بل عاد اليوم من موقعٍ يتكلّم وكأنه يمتلك علم الغيب السياسي:
يتحدّث بثقة، يوزّع الأحكام، وينصّب نفسه مرجعاً لـ “فهم الناس”، ثم يصف الناس الناس الذين دفعوا الثمن بالسذاجة، وبـ “الشعب البسيط”، وكأن البساطة عيب، وكأن النجاة امتياز لغويّ أو طبقي، وكأن الألم الذي اختبره المجتمع لا يمنح المعرفة إلا لمن كان فوقه لا داخله.
أنا هنا مضطرة أن أكون واضحة: ما يجري إبادة، وأي نخبوي يخفّف الكلمة أو يهرب منها إلى استعارات “أخف فهو على الأقل معرفيا لا يدرك حجم ما يتحدث عنه، أو يختار ألا يدركه. وفي لحظة الإبادة، يصبح التلاعب بالمصطلح جزءاً من التواطؤ الرمزي: لأن من يربح من تخفيف التسمية ليس الضحية، بل من يريد إدامة الضباب.
ولأنني أتحدث من صلب البحث العلمي سأقولها بميزانٍ علميّ لا شعاراتي:
إذا كان لدينا نموذج تفسيري فشل مراراً، ثم أصرّ أصحابه على أنه لم يفشل، فهذا ليس اجتهاداً سياسياً؛ هذا نمطٌ دفاعيّ كامل: إنكار، إسقاط، وتبرير بعديّ.
تماماً كما يفعل العقل حين يرفض تعديل خريطته رغم أن الواقع مزّقها.
وكارل بوبر هنا ليس زينة ثقافية: فحين تُمنَع الفكرة من الاختبار، وحين يتحوّل صاحبها إلى سلطة فوق النقد، نكون قد خرجنا من حقل المعرفة إلى حقل “اللاعلم”: لا لأن السياسة علم مخبريّ، بل لأن المعيار الأخلاقي والمعرفي واحد: من لا يقبل أن يُسائل فكرُه، سيحوّل فكره إلى عقيدة… ومن ثمّ سيحوّل الآخرين إلى أتباع أو “سُذّج”.
والأشد قسوة في تجربتنا العلوية هو هذا التناقض الفاضح:
الذين طبّلوا لحافظ الأسد ثم لابنه وخاصة حافظ الاسد ولم يعوا ما فعله الاسد الأب بهذه الطائفة اجتماعياً وسياسياً ونفسياً؛ كيف أعاد تشكيلها داخل دولة الخوف، وكيف ربط مصيرها بأجهزة، وكيف جعلها تُستنزف بين الولاء القسري وتبعاته… هؤلاء أنفسهم يتصرّفون اليوم كأنهم أصحاب “تنظير اجتماعي” و”فهم سياسي” و”بصيرة تاريخية”.
بينما الحقيقة أن ما فعله الابن لاحقاً وما قاد إليه لم يكن مجرد (سياسة سيئة) بل كان طاحونة ابتلعت ما يقارب مئتي ألف شاب علوي بين موتٍ وتهجيرٍ وخرابٍ واحتراق مستقبل. ثم يأتينا من ساهم في شرعنة هذا المسار، أو صمت عنه، أو برّره، ليعطي المجتمع دروساً في الواقعية، ويُسفّه آلامه وأسئلته.
أنا لا أكتب هذا من موقع “أنا أعرف”. بالعكس: تواضعي الوحيد الصادق هنا هو أنني أعترف بأننا جميعاً تعلّمنا متأخرين، وبثمنٍ لا يُحتمل.
لكن التواضع لا يعني أن نسلم رقابنا لمن لم يتعلّم شيئاً.
ولا يعني أن نعيد التجربة بنفس المواد، ثم نتوقع نتائج مختلفة.
في أي مختبر، هذا يُسمّى خداعاً للذات. وفي السياسة، قد يصبح كارثة متكررة وخاصة في زمن الإبادة.
نحن لا نحتاج وجهاً قديماً بلهجة جديدة.
نحن نحتاج تغيير الإطار المعرفي جملة وتفصيلاً:
تغيير طريقة السؤال، ومعايير الشرعية، ولغة توصيف الواقع، وتواضع الأدوات أمام حجم الكارثة. نحتاج نخبة تُقاس قيمتها بقدرتها على الإصغاء للمجتمع لا بتأنيبه، وبقدرتها على الاعتراف بالخطأ لا بتزيينه، وبقدرتها على بناء معنى واقعيّ للأمان والحقوق والكرامة—لا على بيعنا يقيناً جديداً بديلاً عن اليقين القديم.
وفي النهاية، ليس أخطر من نخبة فشلت… إلا نخبة فشلت ثم قررت أن تجعل من فشلها مقاماً، ومن جراح الناس منصة، ومن عجزها القديم نبوءة لا تُناقش. 
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟