في رحاب الشيخ صالح العلي - ج6
2026.01.03
عبد الكريم الناعم
مدخَل
ما سأورده سيكون إشكاليّاً، وما اكثر الإشكاليات، لأنّ اليقينيات، حتى العلمية تُحيط بها شكوك كثيرة، وتتقدّم الريبية العلميّة رافعة رأسها، من خلال العلم ذاته، فكيف حين يتعلّق الأمر بما يُسمى "كرامة المؤمن"، أو بحسب منطوقه في تلك المناطق (البرهان)، فيقولون فلان ظهر له (برهان) يعنون بذلك (كرامة)، وفي هذا قال الشيخ عبد الكريم محمد (ق)، متعرّضا لتعريف البرهان وتعليله:
لا بلْ هما مِن قُدرةِ الأزلِ
فأقرّ بوجود الكرامة، وبمعجزة الأنبياء، وأعادها إلى صاحب التكريم الحقيقي والذي هو ربّ العالمين، القدير، الأزل، ويُفهَم من ذلك، وهو متّفَق عليه بين مَن يُقرّون به أنّ صاحب الكرامة إذا ظهرت، فإنّه هو لا يدري بها إلّا وقد حدثتْ، أي أنّ المكرِّم هو الله على الحقيقة، أراد أن يُظهر كرامة عبد من عباده، ولقد تعرّض عدد من المهتمّين بهذه الشؤون لمسألة ظهور الكرامات، وتعدّدت التعليلات بين مؤمن ورافض، ولستُ بصدد التوسّع، بل أنا أروي ما شاهدت كما ذكرتُ من قبل، ومن المسلَّم به منذ أيام قدامى اليونان أنّ المبيت في بعض الأمكنة المقدّسة قد أدّى إلى شفاء العديد من المرضى، وأنا شخصيّاً عرفتُ واحدا من هؤلاء.
أشير إلى أنّ ظاهرة رشح الماء في بعض المقامات، وهي تُعدّ (كرامة)، لم يتعرّض أحد لتعليلها تعليلا غير ميتافيزيقي، وكان المفكّر الكبير إبراهيم الفاضل (السلميّة)، ضمنَ مشروع سماه "الجيداء"، وعدَ بتعليل ظهور الماء لبعض الأشخاص، ولم أعثر فيما بعد على تعليله، وما أدري ما إذا كان قد أكمله قبل وفاته.
هنا لا بدّ من التفريق بين الكرامة وبين الخوارق الخرافيّة، كأن يؤمن رجل بأنّ رجلاً صلى الصبح في المغرب، وصلّى الظًهر في جامع الإمام الحسين بالقاهرة، أو أنّ امرأة يمكن أن يمتدّ حمْلها ثلاث أو أربع سنوات.
*سأستطرد قليلا، ذات عام كنتُ في زيارة الصديق الغالي الأستاذ المربّي سلمان (بحنّين)، رحمه الله، وأثناء الحوار سألني عن شيخ هو من أصدقائي منذ اليفاع، فأخبرتُه أنه بخير، وأنّنا على تواصل، فقال: "ذات ليل فوجئتُ بمجيء هذا الشيخ في وقت متأخر قليلا، وهو ليس من أهل المنطقة، كما تعرف، فرحّبتُ به، ولاحظتُ من معالم وجهه أنّه في حالة من الانزعاج، فأصررتُ عليه أن يتكلّم، فأخبرني أنّه كان في ضيافة رجل من الشيخ بدر، كان في المهجر وعاد، ودعا على العشاء عدداً من أصدقائه، ويبدو انّ تصرّفاً ما، من قِبل المضيف، قد أزعج هذا الشيخ، فقام وغادر محتجّاً، بعد أن قرّع صاحب البيت على ما بدر منه، يقول الأستاذ سلمان، وبعد أن سرد الحادثة ذلك الشيخ قال بقهر "الله يبعتْ لهداك البيت بالحرْق"، يقول الأستاذ سلمان استيقظنا صباحاً، فصبّحَنا أحد الأصدقاء من الشيخ بدر، وكالعادة سألناه "ما أخباركم"؟ فقال والله يا شيخ البارحة كان فلان قد أولم ودعا عدداً من أصدقائه، وبعد أن غادر الجميع يبدو أنّ أهل البيت قد نسوا شيئا ما، فاشتعلت النار في البيت، وامتدّت، واستفاق أهل البيت، والجيران، وهرعوا إلى إطفائها، فتمكّنوا من ذلك بعد جهد، وقد قُدّرتْ قيمة ما احترق بعشرين ألف ليرة (كان هذا المبلغ في تلك الأيام يعدّ ثروة)، يقول الأستاذ سلمان فنظرت في عيني ضيفي الشيخ فوجدتُه مُطرقاً، وقد جالت في عينيه دمعتان، ورجاني فيما بعد ألّا أذكر ذلك لأحد، وها أنا أبوح به بعد أكثر من عشرين سنة.
حين التقيتُ بذلك الشيخ، سألتُه عن تلك الحادثة ملمِّحاً لها، وعمّا إذا وقعتْ، فاحمرّ وجهه خجلا، وبدا مُحاصَراً، متلعثما، وقال: "ما بعرف.. ما بعرف" وغيّر الحديث.
*******
*النّقطة المحور أنّ ثمّة مقامات دينية يرشح منها الماء، يعدّها المؤمنون بها كرامة من الله، لذلك الوليّ، وهي غير محصورة بزمن معيَّن، وأشهر تلك المقامات، في جبال العلويين، هو مقام الشيخ على سلمان (المريقب) في الشيخ بدر، وهو والد الشيخ صالح العلي (ق) الله روحيهما.
وهذه الكرامات ليست محصورة في شعب ما، أو دين ما، بل هي موجودة حيث امتدّت هذه البسيطة، وما زال الناس يتحدّثون عن رشْح الزيت في بعض الكنائس، أو شفاء مريض إثر دعاء ما.
*وأنا أذكر الشيخ علي سلمان (المريقب) داهمتْني حادثة رواها لي الصديق المرحوم يوسف فجر رسلان، قال إنّه ذهب في إعارة للجزائر، وعُيّن في "عنّابة" في الشرق الجزائري، وفي إحدى الجلسات التقى برجل متقدّم في السنّ، وحين علم ذلك الرجل أن جليسه من سورية سأله باهتمام هل تعرف السلطان صالح؟ أجابه: لا، قال مستغربا كيف لا تعرف من قاتل الفرنسيين في جبال العلويين"؟! فأجابه: "نحن نسمّيه الشيخ صالح"، فتابع الرجل إنّه كان في إحدى الحملات التي أرسلها الفرنسيون إلى تلك الجبال، وقد أتعبتهم الحرب، فأمر قائد وحدتي، وهو ضابط فرنسي أن نقصف مقام والد السلطان صالح بالمدفعيّة، وأن ندمّره، ويتابع بدأنا القصف لمدّة أكثر من ربع ساعة، ونحن لا نرى إلّا الغبار المتصاعد من أثر الانفجارات، وظننّا أن المقام قد سُوِّي بالأرض، وحين انجلى الغبار أدهشنا أن القبّة والمقام كانا كما هما قبل القصف..
*بعد هذا أتابع:
ذات زيارة لضريح الشيخ علي سلمان (المريقب)، دعاني إليها أحد أقربائي، للوفاء بنذر كان نذره لصاحب ذلك المقام، وكان معنا شيخ جليل، معروف بالطهارة، واستجابة الدّعاء، وقد رشحتْ المياه من جانب ضريح الشيخ علي سلمان،، وشربنا منها، واقترحتُ عليه أن نزور قبّة الشيخ صالح العلي، وهنا أعترف أنني ما دخلتُ مقامه مرّة إلّا وأحسستُ بعَبرة تملأ عيني، لماذا؟ لا أدري! زرنا الضريح وقرأنا الفاتحة، ودلفنا إلى الغرفة المجاورة من بابها المفتوح على المقام، وقبل أن نجلس نظر الشيخ من إحدى النّافذتين الموجودتين وقال لي: "انظر إلى الماء"، نظرتُ فوجدتُ القسم الخارجي من مساحة النّافذة جافاً، وباتجاه الداخل ثمة طبقة من الماء، فحدّثتني نفسي بأنّ هذه المناطق يحدث فيها أن تُمطر صيفاً، وقد يكون ذلك رشقة مطر، فانتقلت إلى النافذة المجاورة فوجدتُها جافّة لا أثر فيها للماء، فعدتُ إلى النّافذة الأولى ووقفتُ أتأمّل فأحسستُ برطوبة في أسفل قدميّ، فتفقّدت ذلك فإذا الماء يسيل من رخام حافّة النّافذة، ويصل إلى الأرض حيث أقف، فأصابتْني حالة من توقّف الذّهن، وأثناء ذلك سقطتْ نقطة ماء من أعلى نصف قوس قنطرة النّافذة، وتبعتْها أخرى، وثالثة، فوجدتُ نفسي وقد اعترتْني حالة من البكاء الصامت والنّشيج، لم أستطع دفْعاً لها.
أعلم أنّ ثمّة مَن سيرفض هذا الكلام، وسيفرح به آخرون، ويقف قسم ثالث لا يجد ما يقول، ولكنّني، وأنا أقرع أبواب الرحيل، والأعمار بيد الله، وهذا إحساس طبيعي لدى مَن تخطّى التسعين.. أقول إنّني كنتُ صادقاً في كلّ ما أوردتُ.. أقولها وأنا أعلم إنّ القول ممّا يُسأل عنه الانسان بين يدي مّن لا تخفى عليه خافية، واللهُ أعلمُ بالسرائر...