في رحاب الشيخ صالح العلي ج 5
2026.01.01
عبد الكريم الناعم
حدّثني الأستاذ الشيخ سليمان الخيّر، وقد عرفتُه حين كان مديرا للأحوال المدنيّة (النفوس) في حمص، عام 1968، ونشأت بيننا صداقة حميمة، رغم فارق العمر الذي يتجاوز الخمس وعشرين سنة بقليل، - وسوف أفرد مساحة خاصّة لهذا الرجل النبيل في مساحة لا حقة-..
حدّثني أنّه قُرع باب دارهم في اللاذقيّة ذات يوم، وفتح الباب ليرى رجلا يلبس حطاطة وعقالا، وقد نقّب وجهه وعليه عباءة (مَشْلح)، وعيناه مُشعّتان، فسأله عن والده إذا كان موجوداً، فاستفهم منه بأدب: "مين حضرتك"؟ فلم يردّ بل قال أريد والدك، وأثناء ذلك أطلّ من (عليّة) في الدار الشيخ ديب الخيّر والد الأستاذ سليمان، وكان الضيف قد أماط اللثام عن وجهه، فسارع الشيخ ديب بالنزول مرحّبا، وصعدا معا إلى (العليّة)، وظلّ الأستاذ سليمان قربهما لتلبية طلباتهما، وحين وجد فرصة مناسبة سأل والده همساً: "مَن هذا"؟ فأجابه باهتمام هذا الشيخ صالح العلي.
وخلاصة ما رواه الشيخ سليمان أنّ الشيخ صالح شكى للشيخ ديب من تدخّل محافظ اللاذقيّة آنذاك، وهو ابن جابر أفندي العباس زعيم عشيرة الخياطيين، وأنّ هذا المحافظ يساعد أخصامه من جيران له في القدموس في قضيّة أرض متنازَع عليها قضائيّاً، ويضغط على القضاة ليحكموا لصالح أخصام الشيخ صالح، وهدّد الشيخ صالح أنّه لن يسكت على هذا الأمر، حتى إذا وصل حدّ أن يدافع عن حقه بالسلاح، فقال له الشيخ ديب، هذا الأمر يهمّك مثلما يهمّنا، لذا أرجوك أن تبقى في بيتك الصغير حتى أعود.
واستأجر الشيخ ديب سيّارة وقصد (الطّليعي) في صافيتا حيث يقيم جاير أفندي العباس، وفاتحه بالموضوع وقال له نحن آل الخيّر سنكون ضدكم، والشيخ يعقوب الحسن سيكون ضدّكم، وستجدون عائلات كثيرة لا تساندكم في تحويل الحقّ إلى باطل، فصمت جابر أفندي، وتابع الشيخ ديب أسألك الله، بعلمك جرى هذا الأمر أم دون علمك؟ فأجابه: "عندي علم، وأعدك أنّي سأمنع ابني من التدخّل، وليأخذ القضاء مجراه".
*******
الآن سأفتح مساحة للشيخ سليمان الخيّر، والد المعارض السياسي الدكتور عبد العزيز الخيّر، ويكفي أن تذكر آل الخيّر حتى يحضر في الذاكرة أعلام في الدين، والشعر، والثقافة، والسياسة، والبحث التاريخي، ومختلف الاختصاصات،
لقد كان رجلا مثقّفاً، ومتابعا لما يصدر من كتب فلسفية أو فكريّة تتعلّق بالإسلام وبغيره من العقائد، ويُحيل المجلس الذي يكون فيه إلى مجلس مطارحات تغذّي الروح والعقل، ومكارم الأخلاق، وكان شديد المراقبة لنفسه، ويعلم كلّ مَن عرفه أنّه لم يدخل جيبه قرش واحد من أموال الزكاة التي كانت تُبذل لرجال الدين، وكان يبيع مما ورثه من أرض لتعليم أولاده، وكلّهم صاروا خريجي جامعات، وفيهم ثلاثة دكاترة باختصاصات مختلفة، هذا ما أعرفه وربّما كان العدد أكثر، ولقد ترك ذكرى عطرة في كلّ مكان كانت وظيفته فيه.
يوم تعرّفتُ عليه كان قد صار نباتيّاً، لا يأكل اللحم، وما زلتُ أذكر كيف دعانا لغداء في البيت الذي استأجره في حمص، وقد ذبح ذبيحة، وحين وُضع الطعام، كان طعامه الخاص برغل مع السّبانخ، وأحببتُ ذات جلسة أن أسأله عن هذه النباتيّة، وأنا قرأتُ الكثير عن فوائدها الذهنيّة والنفسيّة والجسديّة، وسألته منذ متى وأنت نباتي؟ فتبسّم وقال كنتُ مدير ناحية، يوم كان مدراء النواحي مدنيّين، لا ضبّاط شرطة، - الكلام لي وإنْ لم تخنّي الذاكرة فقد ذكر أنّه كان مدير ناحية "عين الشرقيّة" في الجهة الشمالية من تلك الجبال-وذات يوم كان عليّ أن أتفقّد إحدى القرى الكبيرة فركبتُ فرسي، إذ كانت الخيول وسيلة تنقّلنا، واحتفى بي مختار القرية، وأنت تعلم أنّ مجيء أيّ مسؤول يعني أن يذبح المختار ما يذبح وليمة احتفاءً وترحيبا، بيد أنّ ذلك المختار، في ذلك اليوم لم تكن مواشيه قريبة من البيت، هكذا قدّرتُ فيما بعد، فوضع أصنافا متعدّدة من الأطعمة الشهيّة ولكنّ اللحم غاب، وأثناء تناولي للطعام سألتْني نفسي لماذا لم يَذبَح؟! بعد أن أنهيتُ مهمّتي ركبتُ فرسي وعدتُ باتجاه مركز الناحية، وفي الطريق سألتُ نفسي بأيّ حقّ تطلبين ذلك؟! والله لَأَحْرمنّك هذا الذي تشهّيتِه، وطلبْتِه، وقرّرتُ أن لا أتناول اللحم، وبدأت مع مرور الوقت أشعر بالفارق الكبير على المستوى الذّهني، والجسدي، وعلى مستوى صحّتي العامّة، وها قد مضى أكثر من عشرين سنة على ذلك، وقد تحوّل اللحم إلى دواء بالنسية لي، فأنا حين أصاب بالرشح أُحضر فرّوجاً ليطبخوه، وأتناول منه جناحاً واحداً فأُشفى.
رحم الله الأستاذ الشيخ سليمان الخيّر، أبا سعد، فقد كان نموذجاً نادراً في الاستقامة، والعفّة، والطهارة، والصدق، والنّقاء، والشهامة، والتواضع، كان يتابع الأحداث السياسية دون أن ينتمي إلى أيّ حزبِِِ...