في رحاب الشيخ صالح العلي - ج3 و4
2025.12.30
عبد الكريم الناعم
*الاغتيال بالسمّ أمر معروف قديماً وحديثا، والغاية منه التخلّص من خصم ما، إمّا لأنّه يشكّل عقبة بالنسبة لجهة ما، أو للانتفاع من غيابه بما يسمح بتحقيق مكسب، ولعلّ من أشهر قصص الاغتيال بالسمّ، في تاريخنا العربي الإسلامي، ما جرى مع الأشتر النخعي، حين أرسله أمير المؤمنين "عليّ" كرّم الله وجهه، والياً على مصر، وعلم بذلك معاوية بن أبي سفيان، فاتّفق مع أحد الذين سيمرّ بهم الأشتر، فسقاه عسلاً فيه سمّ، وفارق الحياة، فقال معاوية قولته الشهيرة إنّ للّه جنوداً من عسل؟
*في بلد عرب شقيق، دُعيتُ لزيارته عام 1963، همس بإذني أحد المعارضين للسلطة، بأنّ رئيس بلادهم صفّى بعض خصومه عن طريق السمّ.
*بعد أن توقّف القتال مع الفرنسيين، واحتلّوا الداخل كلّه، انصرف الشيخ صالح العلي لشؤونه الخاصة، من تدبير أملاكه، وتفرّغ للمطالعة، والقراءة، والعبادة، بيد أنّ المجريات تدلّ على أنّ ثمّة جهة ما، أرادت التخلّص منه، فدسّت له السمّ في طعامه، وأحسّ بذلك، فأرسل خلف الشيخ ديب الخضر، صديقه من عائلة الشيخ حسن صالح (الحميري)، فذهب إليه، وسقاه ضدّ السمّ، ونجا من تلك المحاولة، وقد وثّق ذلك التسميم الكاتب المتعدّد المواهب حسن م يوسف في مسلسله "أخوة التراب".
*حدّثني المربّي الفاضل الأستاذ سلمان محمد (بحنين)، وكان حين يسافر الشيخ صالح العلي يأخذه معه، لثقته به، ويُعدّ الكتاب الذي كتبه الأستاذ سلمان عن الشيخ من أهمّ الكتب في جزئياته التي لم تكن معروفة.. حدّثني أن الشيخ صالح شكى من وهن في جسده، وهو القويّ البنية، فطلب أن يذهب إلى طرابلس في لبنان، حيث اشتُهر فيها طبيب كنيته البيسار، وقد عمّت شهرته بلاد الشام، وبعد إجراء التحليلات اللازمة، وكان الشيخ يدخل في حالات غيبوبة، فيقول البيسار للأستاذ سلمان أظنّ أن شيخكم على أُهبة أن يفارق الحياة، فيفتح الشيخ عينيه ويقول له: "ليس بعد، يادكتور، ثمّة بُلغة بقيت لي في هذا الحياة"، فيستغرب البيسار، ويقول للأستاذ سلمان إنّ حجم السموم الموجودة في جسده قادرة على قتل عشرة رجال، من أين جاءته لا أعلم، ممّا يدلّ على أنّ ثمّة مَن كان يدسّ له السمّ، وهذا/ استنتاجا، لا يتأتّى إلّا لمَن يكون قريباً منه، ولقد باح لي الأستاذ سلمان بحنّين باسمه، ولا اجد فائدة من ذكره الآن.
*عاد الشيخ صالح العلي رحمه الله إلى طرطوس، ونزل في بيت أحد أصدقائه، وأرجّح أنّ كنيته (الحامد)، واستدعى القاضي المكلّف، أو الكاتب بالعدل، لا أذكر، وأملى عليه وصيّته فيما يتعلّق بأملاكه، وماذا يُفعل بهـا، وهي وصية شهيرة، بيد أنّها لم تُنفّذ، وقد ذُكرتْ في معظم الكتب التي اُلِّفت عن سيرة شيخنا الجليل، أو عن أشعاره.
*ذات ليلة انهمرت الأمطار غزيرة، وإنْ لم تخنّي الذاكرة أيضا أنّ ذلك كان يوم عيد، فقال لمرافقه الأستاذ سلمان: "يا ابني يا سلمان املأ لي هذا الكأس من ماء المطر، فملأه، وعاد به، فشرب منه، وقال له: "يا ابني هذه آخر بُلغة لي من هذه الحياة"، وتُوفّي في الليلة ذاتها، رحمه الله وأحسن إليه، وأسكنه فسيح رضوانه،
*وصيّة الشيخ لم تُنفّذ لأنّ الأوصياء بعضهم تخاذل، وبعضهم طمع، وبعضهم صمت عن عجز، وقد راجع الأستاذ سلمان (بحنّين)، وكان أصغر الأوصياء عمراً،.. راجع جميع العهود التي مرّت على سوريّة من أجل تنفيذها، ولكنّه لم يجد مّن يستجيب!!
قد تكون لنا عودة لهذه الوصيّة.
*******
*حدّثني الأستاذ سلمان ( بحنّين) أنّه قرأ في كتاب ما أنّ من يداوم على تناول التين المجفّف وزيت الزيتون، فسيجد تغيّرات إيجابيّة في فهمه، وخفّة في جسده، فدخل في هذه التجربة، وبعد مدّة شعر أنّ استيعابه لما يقرأ أكثر صفاء، وتذكّراً، واستيعابا، ومناقشة، أمّا في جسده، وكان السفر في ذلك الزمن، في معظمه، مشياً على الأقدام، في تلك الجبال، فلاحظ أنّ المسافة التي كانت تحتاج لستّ ساعات مشيا صار بإمكانه أن يجتازها في أربع ساعات أو أقلّ، واحسّ نشاطا في جسده، وقوّة لم تكن فيه من قبل، وقرّر أن يتابع ذلك دون ان يقول لأحد، وذات سفرة لزيارة الشيخ صالح العلي جاء وقت الغداء، فوُضعت المائدة وعليها البرغل واللحم الكثير، فالتفت الأستاذ سلمان مخاطبا الشيخ بما يُشبه الهمس: "أليس لديكم بعض التين وقليلا من زيت الزيتون"، فتبسّم الشيخ وقال له: "لدينا ما طلبت، ولكنّ ما أنت عليه طريقه صعب، فاعدلْ عن ذلك"، وكان الأستاذ سلمان لا يرد طلبا لذلك الشيخ الجليل، ويتابع الأستاذ سلمان، فيقول: "كنتُ أظنّ أنّ مَن اطّلع على ما انا عليه أقلّ من القليل، فإذا بشيخنا يعرفه"، ويستدل بذلك على سعة اطلاعه، وعمق قراءاته ومعارفه...
******
ج4
جُملة اعتراضية
سألني أحدهم على الهاتف: "هل أنت مؤمن بما يُسمَى استجابة الدعاء"؟
وأجيب، ليس مهمَاً أن أكون مؤمناً، أو غير مؤمن، ففي كلَ العصور، والديانات، والعقائد ثمَة مَن يؤمن وثمة من لا يؤمن، وهذه مسألة شخصية، وأنا كنتُ، فيما أوْردتُه راوياً، وأضيف الآن أنّه وردَ في القرآن الكريم قوله تعالى: "عبادي ادْعوني أسْتجِبْ لكُمْ"، وفي هذا السياق سُئل الإمام الصادق (ع) ما لَنا ندعو ولا يُستجاب لنا، والله القائل إنّه يستجيب؟
فقال: "إنّما يتقبّل الله من المُتّقين"،
وفيما نحن بصدده أورد الحادثة التالية من الذاكرة، وليس نقلاً بالنّص، فقد روْت مصادر متعدّدة، لدى المذاهب الاسلاميّة أنّ أمير المؤمنين "عليّ" (ع)، خطب في مسجد الكوفة مذكّراً بيوم الغدير وما جرى من تصريح الرسول (ص) عليه وآله وصحبه: "مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه.. الخ"، واستنهض مَن كان حاضرا، فقال من حضر ذلك فليقفْ، فوقف اثنى عشر بدريّا- أتحفّظ في ذكر العدد، فلعلّه أكثر-، و(بدْريّا) تعني ممَن شهدوا معركة بدر الشهيرة، وكان بين الحاضرين الصحابي أنس بن مالك، فلم يقف، فسأله الإمام أوَلمْ تشهد ذلك يا أنس، وقد تقدّم به العمر فقال: "لم أعد أذكر، فقد أنستْني الأيام"، فقال الإمام (ع) داعياً "اللّهم إنْ كان يذكر ولا يقول، فاضْربْه ببيضاء لا تسترها العمامة"، فأصيب ببرص غطّى مساحة وجهه، فكان يضع بُرقعاً، وحين يُسأل يقول: "تلك دعوةُ الأصلع".
فماذا أقول في الدعاء بعد هذا؟
للتوضيح اعتبر أهل السنّة "مَن كنتُ مولاه.. الخ.. أنّها تعني ولاية (العلم)، لا ولاية (الحكم)، وكان للشيعة رأي آخر، وللزيدية رأي ثالث، وللخوارج رأي رابع، ولن أطيل.
*******
حدّثني الفقيه الجليل، والشاعر الشيخ محمود سليمان الخطيب (جيبول) إنّه كان في زيارة لبيت الشيخ صالح العلي حين جاء مَن يُخبر الشيخ أنّ محافظ اللاذقية آنذاك، ومدير منطقة جبلة، وعدد من الضباط والمسؤولين سيزورونه اليوم، وحين جاء وقت الظهر قام الشيخ إلى مصلاّه وبدأ الصلاة، -وأنا، والكلام لي لا للشيخ محمود، سمعتُ من العديدين الذين عاشروه عن قرب أنّه كان يطيل الصلاة-، أمّا الشيخ محمود فقد صلى الوقت وجلس ينتظر الشيخ، ووصل الموكب فاستقبله الشيخ محمود، وجلسوا على كراسي صغيرة مقشَّشة، وأخبرهم أنّ الشيخ يصلّي الظهر، ودخل الشيخ محمود إلى مصلى الشيخ فأعلمه أنّ الوفد قد وصل، فأومأ له برأسه أنّه قد سمعه، ومرّت قرابة الربع ساعة، فعاد إليه ليُخبره فأومأ له برأسه أنّه قد سمعه، وحين انتهى من الصلاة ذهب إليهم فسلّم عليهم سلاما عاديّا لا حفاوة فيه، وأخرج علبة تبغه ومدّها نحوهم وقال: "هل يريد أحد منكم أن يدخّن"؟ فاعتذروا، فلم يكرّر الكلام، وبعد مرور أحاديث عاديّة خلاصتها أنهم جاؤوا للاطمئنان عليه، وفيما إذا كان يريد شيئاً، فشكرهم على اهتمامهم، وقال: "ما رأيكم أن تتغدّوا"؟ فاعتذروا بأدب، ولم يكرّر الكلام، وحين ودّعوه وغادروا قال له الشيخ محمود مستغربا: "أهكذا يُستقبَل وفد رسمي للدولة"؟ فأجابه: "كيف تريد أن أستقبلهم؟ أنا عُرضت عليّ مناصب رفضتُها، وحاربت فرنسا لأنّها قوّة احتلال، وليس لي مطمع في شيء، ولو فتحتُ هذا الباب فسيكون معظم وقتي للاستقبال والتوديع، وأنا رجل أريد أن أعمل لآخرتي لا لدنياي"، ونهض، وغاب قليلا، وعاد وهو يجرّ (ساعوراً)- ذكر معزى بالغ- وقل للشيخ محمود "قمْ واذبح هذا السّاعور، لنتغدّى ونغدّي مَن حولنا"...
*******
حدّثني الشيخ علي عبد الحميد ميكائيل (الرّبيعة)، وكان يذهب لزيارة الشيخ صالح كلّ عام.. حدّثني إنّه كان في ضيافته، وفي احد الأيام أرسل خلف عدد من العمال من قرية "كاف الجاع" قرب القدموس، وقال لهم أبنوا لي (رعْشا) في هذا المكان،- و(الرّعش) جدار تؤخذ حجارته ممّا هو موجود بكثرة في الأرض، يُبنى بارتفاع متر أو أكثر قليلا، يشكّل حاجزاً،- وبدؤوا بالبناء، وحين كاد يكتمل ذهب إليهم فقال لهم: "أنا طلبت بناء (الرّعش) في هذا المكان، لا في هذا، هدّوا ما بنيتم وانقلوه إلى هنا، وأشار إلى مكان يبعد عن الأول مسافة قليلة، وتركهم، وحين كاد يكتمل البناء ذهب إليهم فاحتجّ عليهم، وقال يا سبحان الله، لم تفهموا ما طلبت، فأنا قلت في هذا المكان، فأعيدوا بناءه هنا"، وكان الشيخ على يراقب ذلك باستغراب، فسأله: "ما هذه الفروق بين هذه الأمكنة وكلها قريبة من بعضها، وأنت تطلب منهم إعادة البناء"؟ فابتسم الشيخ وقال له: "يا شيخ علي (الرّعش) كلّه لستُ بحاجة إليه، وأنا أريد أن أساعدهم كفقراء، ولا أريد أن يقبلوا العطاء، وكأنه حسنة لله، بل أريد أن يشعروا بكرامتهم وأنّهم أخذوا ما أخذوه بجدارة"...