كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في ليلة الميلاد أنا لست في شمال الارض

ريتا خير بك

في ليلة الميلاد أنا لست في شمال الارض. ولست ثمانية وثلاثين سنة.
أنا طفل علوي لا يتجاوز العاشرة يقف على السطح. أنا هناك مع الأطفال.
الليل بارد، لكن البرودة ليست في الهواء وحده. البرودة في الفكرة التي تهبط على القرية مثل لعنة: أن الإنسان يمكن أن يُمحى لأن اسمه لا يعجب أحدا. النجمة بعيدة، بعيدة إلى حد الإهانة. كأن السماء قررت أن تتفرج من فوق، أن تترك الأرض تُدار بمنطق السكين.
تحتنا القرية كتلة طين مسكونة بالأنفاس الثقيلة. البيوت تتلاصق كأنها تتعانق خوفا. والناس يتحركون في الأسفل كما تتحرك الظلال حين تعتاد الظل. لا صخب كبير. لا بطولة. لا معركة. فقط موت يمرّ بهدوء… وهذا ما يجعله أفظع. حين يصبح الموت عاديا، يصبح العالم كله شريكا بطريقة ما: بالصمت، بالتبرير، بالانشغال، بالاستحياء من الحقيقة.
نقف على السطح، نحن الأطفال. عيوننا أكبر من وجوهنا. في عمرنا يجب أن نعرف اللعب، لا أن نعرف شكل الذبح. يجب أن نعرف رائحة الخبز، لا رائحة الخوف. لكننا هنا نتعلم شيئا لا يليق بطفل: أن الحياة يمكن أن تُسحب منك بلا سبب سوى أنك أنت.
أنظر إلى الأسفل. أرى أباً ينتحب. ليس بكاءً فقط، بل انهيارا كاملا. رجل ينكسر من الداخل ويظل واقفا كخشبة. يضع يديه على رأسه كأنه يريد أن يعيد الزمن إلى الوراء، كأنه يستطيع أن يمسك اللحظة من رقبتها ويهزها حتى تعيد له أولاده. يضرب صدره لا ليُخرج الألم، بل ليتيقن أن قلبه ما زال موجودا، وأنه لم يتحول هو أيضا إلى جثة تمشي.
أنا هناك على السطح مع الأطفال لا أفهم معنى الموت. لا أفهم كيف ينطفئ الإنسان فجأة. لكنني أفهم الظلم. أفهمه بطريقة الطفل: كحرقة في الجلد، كاختناق في الحلق، كارتجافة لا تأتي من البرد. أفهم أن هناك شيئا فاسدا في هذا العالم، وأن الفساد هنا ليس في الطقس ولا في الفقر، بل في البشر حين يُعطون لأنفسهم حق أن يقرروا من يستحق الحياة ومن لا يستحقها.
ثم أراها.
الابادة ، هناك تنظر لي .
ليست كلمة كبيرة تُقال في خطابات. ليست شعارا. هي شيء يمشي. عملية لها ذاكرة طويلة وصبر بارد. تمرّ تحتنا، ترفع رأسها نحونا، وتحدق في عيوننا بلا حياء، كأنها تقول: رأيتكم. أعرفكم. سأنتظركم حتى تكبروا… وربما لا.
الابادة تعرف أن الأطفال يكبرون يوما، وأنهم قد يتعلمون الكلام، وقد يكتبون، وقد يطالبون، وقد يرفعون رؤوسهم. ولهذا تفضل أن تقطع الطريق مبكرا. أن تزرع الخوف في اللحم قبل أن ينبت الوعي. أن تجعل الطفل يتعلم الموت قبل أن يتعلم اللغة.
ونحن نحدق فيها. بلا خوف.
ليس لأننا شجعان. بل لأن الخوف لم يجد بعد اسمه الصحيح. لأن الطفل حين يُصدم لا يصرخ دائما؛ أحيانا يتجمد. يتجمد حتى يصير التحديق هو كل ما يملك. نحن نحدق كي لا ننهار. نحدق كي نحفظ التفاصيل. كي لا يجيء أحد بعد سنوات ويقول: لم يحدث شيء. أو يقول: كانت مبالغة. أو يقول: كلهم مثل بعض. نحن نحدق لأن التحديق وعد: لن نسمح للجريمة أن تلبس ثوب الحكاية الجميلة.
وأنا هناك على السطح أشعر بالغضب لأول مرة. غضب طفل لا يعرف السياسة لكنه يعرف الإهانة. غضب لأن الأب تحتنا يُسحق ولا يستطيع حتى أن يسأل: لماذا؟ لأن جواب “لماذا” هنا وقح وبسيط: لأنهم علويون. لأننا علويون. لأن هذا يكفي.
الغضب يخلط نفسه بالحزن. الحزن ليس دمعة فقط. الحزن هنا شيء أثقل، شيء يشبه أن تحمل حجرا في صدرك وتواصل التنفس. شيء يشبه أن تشاهد العدالة تُذبح بجانب الأطفال. أن ترى العالم يطلب منك أن تكون “عاقلا” وأنت ترى الجريمة بعينيك. أن يطلب منك أن “تسكت” كي لا تزعج القتلة. أن يطلب منك أن “تسامح” قبل أن يعترف أحد بما حدث.
ومن على ذلك السطح نتعلم الدرس الأبدي. ليس كتعليمات، بل كحقيقة تُغرز في اللحم: لا تصالح.
لا تصالح مع اللغة التي تلمع الجريمة وتخفض صوتها.
لا تصالح مع من يساوي بين الضحية والسكين باسم الحكمة.
لا تصالح مع من يطلب منك أن تنسى كي “تعيش”.
لا تصالح مع النسيان، لأن النسيان هو خدمة مجانية للقاتل.
في ليلة الميلاد، في شرق المتوسط مرة أخرى، لم تكن الولادة بشارة. كانت إنذارا. كانت سؤالا قاسيا عن معنى أن يولد الإنسان في مكان يعاقبه على هويته.
وأنا الطفل العلوي على السطح لا أملك جوابا. لكنني أملك شيئا واحدا: عينين رأتا، وقلبا تعلّم أن الظلم ليس فكرة. الظلم مشهد. والابادة ليست خبرا. الابادة نظرة، وتهديد مؤجل، ووعد دموي يقول لنا من تحت: سأعود. سأنتظركم. سأجرب مرة أخرى.

ونحن، من فوق السطح، نحدق. لا لأننا بلا ألم، بل لأن الألم صار هو الذي يثبتنا في مكاننا. لأننا في تلك اللحظة فهمنا: أن البكاء وحده لا يكفي. وأن الحزن إن لم يصبح ذاكرة وغضبا ورفضا… يتحول إلى قبر آخر.

https://www.facebook.com/100001818713666/videos/pcb.33150025174641346/1582879169729539

راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟