في رحاب الشيخ صالح العلي ج 2
2025.12.23
عبد الكريم الناعم
* حدّثني الشيخ حسن الصالح (الحميري)، وهو مَن هو كرَماً، وعفّة، وصدقاً، وعبادة، وطهارة، وهو بشهادة مَن عاشروه، وهم كُثُر، وجاؤوا إليه من أقاصي البلاد.. هو من مستجابي الدّعاء، ولقد جاءه من أموال الزكاة ما لو جمعه لأشاد به القصور، وكان يُنفق معظمه لأصحاب الحاجات، ولم يخلّف ميراثا ماديّاً يُذكر، وعائلة هذا الشيخ مشهور عنها، في محيطها، وفيه من مختلف المذاهب.. مشهور عنها أنّ مَن تلدغه أفعى، إذا كان يعرفهم فإنه لا يذهب إلى طبيب، بل يجئ إليهم، وقد شهدتُ بنفسي بعض هذه الحالات، وسأستطرد قليلا فعذراً،
* كنتُ في السابعة من عمري في قرية "حربْنفسه"، وكان في ضيافتنا المرحوم الشيخ سليمان المحمد من شيوخ هذه العائلة، وهو عمّ الشيخ حسن الصالح، وحين تهيّأ لركوب فرسه ليغادر، وصل رجل اسمه مرعي الديري، ويبدو أنّه كان يعرف بوجود هذا الشيخ في بيتنا، بحكم قرب بيته من دارنا، جاء منطلقا بسرعة على مهرة له، وفور وصوله، نزل عن ظهر مهرته وهو يُمسك يده اليمنى باليسرى، وقل للشيخ متوسّلا: "دخيلك يا شيخي طيّبني"، فردّ عليه الشيخ: "يا عمّي الله هو الذي يطيّب لا أنا، إيش بك"؟ أجابه: "لدغتْني أفعى"، فقال الشيخ لوالدي: "ناولني كأس زيت زيتون"، وأنا أراقب ما يجري، فأخذ كأس الزيت وتمتم عليه بكلام غير مسموع، وقال له: "اشربْه"، فشربه، وهذه يسمّونها (السّقْوة) أي (السَّقْيَة)، وأخرج الشيخ من جيبه موسى، وفتحها، وتمتم بكلام غير مسموع، وأشار بحدّها حول المعصم دون أيّ جرح، وقال له: "اذهبْ واشرب حليب ماعز لمدة ثلاثة أيام"، وودّع والدي وغادر، وبعد ثلاثة أيام كان مرعي الديري يعمل في الأرض وكأنّه لم يُلدغ، وقال أهله أنّه كان خلال تلك الأيام يقئ قيئاً يُشبه شكل الجُبنة، وثمّة قصص كثيرة، وما كانوا يتقاضون شيئا لقاء ذلك، بل يقولون هذا في سبيل الله.
* يروي الناس أنّ أحد أجداد هذه العائلة شاهد في المنام (الجُنيد) الصوفي العراقي الشهير، فلقّنه شيئا ما ضدّ السمّ، وتوارثت العائلة هذا، ولذلك يسميهم البعض (الجنيْديّة)، ولا علاقة لهم بالذين يُخرجون الأفاعي من أوكارها، ويصطادونها، ويضعونها في أكياس.
ذكرتُ هذا لأنّ اسم أحد شيوخ هذه العائلة سيرد حين نتحدث عن الشيخ صالح العلي، والتّسميم.
سيرفض مَن يرفض ما ذكرتُه، وأنا أشهدتُ الله أنّني سأكون صادقا فيما سمعتُ ورأيت، وأحيل مَن لا يصدّق على بعض الظواهر، كمشي الحفاة في الهند على الجمر، أو كالذين استطاعوا التخلّص من جاذبيّة الأرض، فهم يرتفعون متربّعين في الهواء، ويستقرون في الفراغ، وقد شهدتُ ذلك على شاشة التلفزيون في إحدى حدائق بريطانيا، وهم يمررون دائرة تحيط بالمتربّع تبيّن أنْ ليس ثمّة خدعة، جالس في الفراغ بثيابه الهنديّة الجميلة، المُزركشة، وبهيئته المُنسَّقة من الشارب واللحية إلى العمامة، أو كالذين شاهدنا أفلام فيديو لهم، وهم سوريون، ويضع أحدهم ظُبّة السيف في بطنه، ويتّكئ عليه فيخرج من ظهره، ويمشي ليراه الاخرون، دون أن يخرج منه أيّ دم، وقد حضرتُ جلسة أدخل أحدهم (الشيش) في خدّه، بعد أن بلّله بريقه، وأخرجه من الطرف الآخر، وحين انتزعه بلّ سبابّته بريقه ومسح مكان (الشيش)، دون أن نرى أثرا لدم.
*ثمّة ظواهر غير مألوفة اختلفتْ الآراء في تفسيرها، وليست خداعا بصريّاً.. هي غير مألوفة ولكنّها موجودة، وليس التخاطر عن بُعد إلّا واحداً منها.
أوردتُ التمهيد السابق لأصل إلى فكرة الدّعاء المُستجاب، وهو مسلَّم به في الديانات السماويّة، وذلك هو مربط الفرَس كما يقولون.
*جاء الشيخ صالح العلي لزيارة الشيخ صالح المحمد والد الشيخ حسن الصالح، (الحميري)، وبينهما صداقة متينة، ففرح الشيخ صالح المحمد فرحا غامراً، وأولم وليمة دعا إليها مَن يليق بذلك المجلس، وكان ذلك بعد توقّف قتال الفرنسيين، وكان مجلس إنشاد للشعراء الصوفيين، ومُذاكرة في بعض معانيها، وفي العلوم الربّانيّة، ولاحظ الشيخ صالح العلي أنّ صاحب البيت يقوم، ويغيب قليلا ويعود، ولمّا تكرّر ذلك، استحلفه بالله تعالى أن يُصدقه الحديث عن سبب غيابه وعودته السريعة، فبدا الحرَج على وجه صاحب البيت، وقال له: "ابني حسن في وضع صحيّ مُقلق، ولقد قبَّلتُه (مدّده باتجاه القبلة)، فهو كأنّه على عتبات الموت"، فبدى التأثّر على وجه الشيخ صالح العلي، وقال له: "أريد أنْ أراه"، وهبطا درج (العليّة).
يروي الشيخ حسن الصالح، فيقول: "كنتُ أفتح عيني قليلا، ثمّ أغيب، فتحتث عيني فرأيت الشيخ صالح العلي فوق رأسي، وقد غمرتْ وجهه غمامة انفعال، ودخلتُ في غيبوبة".
يتابع الحديث ويقول: "أخبروني فيما بعد أن الشيخ صالح العلي وقف قبالة الغرفة، وكشف عن رأسه، وفتح يديه بالدعاء، وعاد إلى مجلسه"، ويقول الشيخ حسن الصالح إنّه بعد زمن لا يتذكّره، ولكنّه قصير نسبيّاً فتح عينيه، فوجد نفسه مبلَّلا بالعرَق، وأحسّ بأنّ عزيمته جيّدة، فقام، ولبس ثيابه، وصعد باتّجاه (العليّة)، وحين دخل وقف الشيخ صالح العلي على قدميه متهلّلا، ورحّب به، وهنّأه بالشفاء، وأجلسه بجانبه، وكان الشيخ حسن الصالح (الحميري) رحمه الله ذا صوت رخيم، فجلس ينشد الأشعار الصوفيّة حتى وقت الفجر.
*مرّة أخرى أكرّر أنّني راوٍ، ولا أحبّ الدخول في مناقشات لا جدوى منها، أترك ما أرويه لزمن قد يكون له ما بعده، وأعرف أنّ هناك مَن يقول إنّ العلم قد يكتشف ذلك في المستقبل، وهذا دليل أنّ العلم لم يكتشف كلّ شيء بعد...
كانون الأول 2025