في رحاب الشيخ صالح العلي ج 1
2025.12.21
عبد الكريم الناعم
• كثيرة هي الكتب التي صدرت عن المجاهد الوطني الكبير الشيخ صالح العلي رحمه الله، صاحب اوّل طلقة أُطلقت في مواجهة الاحتلال الفرنسي، ويصعب عليّ تعدادها، ولكني أسوق على سبيل المثال أسماء بعض الذين ألّفوا كتبا تتعلّق بتلك الثورة، السياسي والمناضل الوطني والأديب الكبير الدكتور عبد اللطيف اليونس، وكان رائدا في ذلك، وقد طبعت كتابه وزارةُ الثقافة، ولولا مبادرته التي فتحت الافاق لربّما ضاع الكثير ممّا يجب أن يُحفظ، ثم الشاعر والباحث الكبير حامد حسن، وما كتبه المربّي المرحوم سلمان محمد (بحنّين) وقد كان سكرتيرا للشيخ على مدى أعوام طويلة، ولذا فلكتابه خصوصية دقائق غير معروفة، وقد كلّفني، مشكوراً، بكتابة مقدّمة كتابه فاستجبتُ ممتنّاً، ومعترِفا بأهمية تلك الثقة، وكثيرون هم الذين كتبوا عن هذا الشيخ الجليل، أذكر منهم أيمن شعبان، عزّت دلاّ، أدهم آل جندي، مصطفى الشهابي، فارس زرزور، إحسان الهندي، آصف شوكت، وثمّة الكتاب الذهبي الصادر في فرنسا، ت ج سمعان،
*******
• ما سأتناوله هي أحداث وأحاديث لها علاقة بذلك الشيخ الجليل، سمعتُها من أناس عاشروه، وربّما كانت لها خصوصيتها، وأنا أعرف مسبقا أنّ ثمّة مَن قد يكون له موقف ما من بعض ما سأورده، وأيّا كانت الدوافع، وأيّا كان لونها، أو حتى المواقف منها، فأنا أروي ما سمعتُه مباشرة، أثبته ليبقى في الذاكرة التي تهتمّ، فبعض الجزئيّات تُعتبَر كليّات، في قراءات نوعيّة، وفي أزمنة خاصّة، وسأسردها كما سمعتُها، وقد لا يرضى عن ذلك البعض، لأسباب متعدّدة، وأستطيع تقدير دوافعها السّليمة والخبيثة، وهذا يجعلني أكثر إصرارا على رواية ما سمعتُه، فالمجالس أمانات، ويشهد الله أنّني صادق في ذلك، بل ولربّما تحفّظتُ في بعض ما سمعت، تهيّبا من سوء التفسير والتقدير، فما يقبله زمن قد يتحرّج منه زمن آخر.
*******
حدّثني، في بيتنا في حمص، الشيخ محمد الصالح (المعمورة)، وكان ذلك في الثلث الأوّل من خمسينات القرن الماضي، وهو ابن أخت الشيخ صالح العلي، وكان شيخاً تقيّاً محترما في محيطه، ولدى مَن عرفه،.. حدّثني وكان قد بلغ من العمر قرابة ثمانين عاماً، أقولها تقديراً، وقد كان أحد المجاهدين مع الشيخ ضد الاحتلال الفرنسي، وأصيب، أثناء المعارك، بطلقة في رقبته نفذت من الجهة الأخرى، وظلّ حيّاً،..
قال: "بعد ان انتهت الثورة، وصدر عفو عن الشيخ، سألتُه، وكنتُ في زيارة له: خالي حدّثني عن حالة غريبة مرّت بك أثناء الثورة"،
فقال: "يا خال، ذات ربيع، وقد ابتدأ الدفء ينتشر في الطبيعة، والأزهار تتفتّح، جلستُ على حجر أراقب الطبيعة، وأًراجع الأحداث، فجاء رجل أعرفه، فقد أكل من طعام مائدتي عشرات المرّات، أعرفه باسمه، وكنيته، ومن أيّ قرية هو،.. رأيتُه يستعجل الخطو، وقبل أن يتجاوزني، وأنا غير متنكّر، قلت له: "تعال ودخّنلك سيكارة"، فاقترب وسلّم عليّ سلام مَن لا يعرفني، فناولتُه عُلبة التّبغ، فجلس يدخّن وعلى وجهه علامات اضطراب، والذي لفتني أنّ سلامه لم يوحِ بأنّه عرفني، فقلتُ له: "أراك مستعجِلاً".
فنفخ نفخة طويلة وقال: "هل لديك للسرّ مطْرح"؟!
قلت مشجّعاً: "بير عميق".
قال: لقد دفع لي الفرنسيّون خمسين ليرة ذهبيّة إذا أنا قتلت الشيخ صالح العلي، وأنا ذاهب لألاقيه فهو يعرفني، ومسدّسي جاهز للإطلاق، ادعُ لي بالتيسير".
فقلت له: "ميسَّرة من غير أن ادعو لك".
فقالتُ له محتجّاً:" عصاك بيدك، ومسدسك بنطاقك، أفلا ضربتَه بالعصا فشققتَ رأسه، أو وضعتَ له طلقة في رأسه"؟!!
فأجابه: "إذا كان الله قد أعمى قلبه، فلماذا أتدخّل أنا"؟!
******
ما سبق ذكّرني بما سمعتُه ممّن لم أعد أذكر اسمه، أنّ الشيخ رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، كان قد أعدّ كميناً لقوة فرنسية، وأمر مَن معه، أن لا يُطلق أحد منهم أية رصاصة قبل أن يُبادر هو إلى ذلك، وفجأة انطلقتْ رصاصة من بندقيّة أحد الذين كانوا معه، فقفز من مكانه وابتعد، وأدرك بحسّه القتالي، الأمني، القيادي أنّ تلك كانت إشارة لتحديد موضعه، وبالفعل انهمرت قذائف المدفعيّة على المكان الذي كان فيه، ولكنّه كان قد غادره، وحين سألتُ الراوي: "لماذا لم يعاقبه الشيخ على تلك الخيانة"؟ فأجاب: "كانت له حساباته فيما يتعلّق بوحدة الصفّ، وذلك ما راهن على بعضه الفرنسيون"،..
هكذا في كل زمن، وفي كلّ مواجهة مع العدو، ثمّة مّن يشتري وثمّة مَن يبيع...
كانون الأول 2025