لا سبيل إلى النسيان يا زهير
2025.12.03
د. جهاد عطا نعيسة
مثلَ كل الناس يموت الأحبة.. يضطجعون على مغاسل موتهم الغريب، يواجهون شوقك إليهم، ذلك الشوق الذي تؤججه معرفتك أنك لن تلتقيهم بعد الآن.. يواجهونه بموتٍ مزمنٍ في خلايا الوجه والجسد، فتنكر كلَّ ما ترى.
أنْ يطلَّ عامُكَ الجديد برحيل واحدٍ من أعز الأصحاب وأكثرِهم ضرورةً في حياتك، فهذا ليس انتقامَ قدر فحسب؛ يل هو جنونُهُ.. ووحشيته.. وسعار بطشه.. وضربة فأسه الأكثر غدراً وتشفّياً.
في الأواخر من كانون الأول، شهرِ الفرح والاحتفالات في كثير من دول العالم؛ غادرنا صديق العمر زهير سليم غانم، الشاعر والفنان والناقد التشكيلي فترك جرحاً غائراً في النفس لن يندملَ ما دمتُ حياً؛ لأنه كان دائماً أحدَ غصون تلك الشجرة التي فيَّأتني في كل مراحل العمر... أليس هو القائلُ: "الأصدقاء.. ومِن بعدهم الطوفان"...؟
ليس من تُحِبُّهم آخرين؛ بل ذواتٌ أخرى لك، ولذا فإن موتَهم في حقيقته هو نقصٌ وخلخلة.. اجتثاثٌ لشيءٍ أثير من كيانك. لقد مضى زهير إلى غير رجعة. وعوضاً من حضوره الجميل آخر العام، سيكون عليك أن تتحسس ما حييتَ موضعَ العضو المبتور في كيانك.
في موت الأحبة تشعر أنك مُقَوّضٌ حتى أعمق أعماقك، هشٌّ وسهلُ الانكسار، وأنك قد فقدتَ حصون دفاعك كلَّها مرة واحدة وغدوتَ في مرمى الموت تماماً.. على بعدِ خطواتٍ أو لحظات منه ليس إلا، أعزلَ مقهوراً ومقروراً وسط عراء بلا حدود؛ ذلك أن رحيلَهم يقتلع رَقادَكَ وطمأنينتك من جذورهما؛ لأنك ستعيشُ فَقدَهم ما دمتَ حيّاً.
حين هاتفني الشقبقُ الحبيب الراحل عادل متردداً في نقل النبأ، راجياً ضبطَ النفس، وجدتني أصرخ:
- كيف يا عادل ..؟! زهير هو أنا..!
ومع ذلك فقد مات زهير.
لكأنما استكثرتِ الحياةُ علينا صاحباً يمنح فرحاً للقلب وغبطةً في قيظ خرائبها.
مات زهير فيما كنا ننتظر حضورَهُ ليضيءَ معنا شمعة عام جديد..
تماماً، وفيما كنا ننتظر حضوره، كان يعاني احتضارَ أعوامهِ كلها بعيداً ووحيداً في بيروتَ اغترابِهِ الموحش، وها هو يحطُّ علينا مغموراً بموتِه، ينهب المسافةَ، التي طالماً حملت عطر قدومه... يطلُّ من غيبوبةِ الأبدِ الوحش، وكأنه يحمل عَتَباً عميقاً، يُسائلُ أين كنتم أيها الأصحاب حين كنت أحتمل احتضاري وحيداً في متاهة غربتي...؟! وكيف تركتموني أمضي وحيداً.. ولِمَ لَمْ تستردوني من حماقة القدر وخذلانِه...؟؟؟
نعم. في ذلك الوقت تماماً، وقبل صدورِ كتابِه النثري الوحيد: "تدوين النسيان" الصادر عن دار اللوثري للثقافة والإبداع في البحرين، وهو خلائطُ من ذكرياتٍ بعيدة وقريبة لمراحل العمر كلها، بدءاً من طفولةٍ اليتمِ والبؤس والشقاء في القرية حنى شباب و كهولة الحضور المضيء في اللاذقية ودمشق وبيروت ، على غير صعيدٍ من معارك الحياة والشعر والفن، كانت حصيلتُها ثلاثةَ عشرَ ديواناً شعرياَ بدأها بديوان "محاولة لتربيع دمشق الدائرة" الذي أصرَّت جهةُ إصداره (اتحاد الكناب العرب، ويا لَحرية الإبداع والمبدعين): على تغيير عنوانه ليغدو: "أعودُ الآنَ من موتي" (1978)م، وغير قليل من المَعارض الفنية والكثير من الكتابات النقدية قي قضايا الأدب والفن التشكيلي، غالبُها في الصحافة اللبنانية...
وبعد...
هل مات زهير حقاً...؟!
وماذا تَبَقَّى من رحلة صديق العمر التي توقفت على مشارف الستين..؟
ما تبقَّى هو كلُّ ذلك الحضورِ الجميلِ الدؤوب على الساحة الإبداعية والنقدية السورية والعربية في حقول الشعر والنقد والتشكيل... ما تبقى هو زهبر سليم غانم الذي عاش حياتَهُ شعراً وفناً وعشقاً لا يريم:
«اكتبْ وصيتَكَ، ودَع امرأةً تقرأ في قلبك، أو تشعر، دع امرأةً تطالع جبينَك وفنجانَك، وتضرب لكَ الودعَ والرمل، ودع امرأةً فنانةً تحياكَ وتحياها، (…)، دع امرأة تقولُكَ، تُفصِحُ فيكَ عن ذاتِكَ وعن حلمك وحبك، وكابوسك ولغتك وشعرك..(مِن كتابه الأخير "تدوين النسيان").
أما زهير صديقُ العمر ومرابعِ الطفولة واليفاع والشباب والكهولة و... فقد ترك ذلك الجرحَ عميقَ الغورِ الذي لست أظنني قادراً على البراء منه ما دمت جياً...
ما دمتُ حياً – والله – يا زهبر.
****************************
* كتبتٌها يوم رحيل زهير، منذ خمسةَ عشرَ عاماُ. لكنني لم أنشرها حينها.
ربما لم أحتمل.. ربما لم أجرؤ.. ربما لم أقوَ..
وربما... ربما لم أُصَدِّق أيضاً.