كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن الشاعر شكري هلال ود. عاطف أتاسي

عبد الكريم الناعم

 ترجع معرفتي به إلى عام 1951، إنّ لم تخنّي الذاكرة، والذاكرة البعيدة لدى الشيوخ أمثالي مقبولة، بحسب التجربة، وكان يتقدّمني بصفّ واحد في إعداديّة خالد، جمعَنا مبدئيّا انتماؤنا لحزب واحد، يرفع شعارات الوحدة والحريّة والاشتراكيّة.
منذ ذلك السنّ الباكرة كان مرجعَنا، كطلاّب، في النّحو، والمؤكّد أنّه تأثّر بعدد من أساتذة العربي، فقد كان من مدرّسينا رضا صافي، ومحي الدّين الدرويش، وعطاالله المغامس، وشاكر الفحّام، وعبد المعين الملوحي، وخالد عكاش، وقد تطول القائمة لو أردت الإحصاء، والمدرّس، في مثل سنّ بداية المراهقة،.. حين تتجلّى شخصيّته في تدريسه،.. وفي مصداقيّته،.. يتحوّل إلى أنموذج،
كان يسرّح شعره بطريقة الممثّل المصريّ الشهير، في تلك الأيام، عماد حمدي، مجدّا في دروسه، متفوّقا فيها، بدأ كتابة الشعر في مثل ذلك السنّ، وكان يُخفيه إلّا عن بعض أصدقائه، وأنا واحد منهم، ولا أُنكر، فقد كنّا ننظر إليه بشيء من التهيّب حين يتعلّق الأمر بالإعراب، ولعلّه كان يتوق لأن يكون واحدا من الذين يُشار إليهم بالبنان، في هذا المجال، وهذا ما كان في لاحق السنوات،
التقينا بعد افتراق فرضتْه طبيعة العمل، وحاجات المعاش، والتقينا عام 1960في مدينة تدمر، وقد كان مدرّسا لمادة اللغة العربيّة في مدارسها، وقد يكون لهذا كتابة أخرى.
نشر العديد من قصائده في مجلات لبنانيّة، وفي صحف حمص، وكان يصدر فيها أكثر من خمس جرايد، كلّها تفتح ركنا لشيء من فنون الأدب.
في ذلك الزمن بدأت تصلنا رياح الشعر الحرّ، كما كان يُسمّى، وأعني شعر التفعيلة، وقد انحاز إليه عدد من الذين أصبحوا من شعراء حمص، موريس قيق، ممدوح السكاف، غسان طه، مصطفى خضر، وكاتب هذه السطور، أمّا هو فقد ظلّ متمسّكا بشكل العمود، مخلصا له، ولم يكن خصما مجابها للشعر الحرّ، ولكنّه لا يخفي ميله لقصيدة العمود، وكانت تُهمة معاداة نظام التفعيلة بين الشعراء تعني، بشكل ما، شيئا من (الرّجعيّة)! فقد ترافقت ولادة هذا النّظام الشعري مع فترة نهوض عربيّ، تقدّمي، في مواجهة الأحلاف الغربيّة الاستعماريّة.
ظلّ منذ بواكير شبابه يواجه خطر جلطة في وريد رجله، وألجأته عدّة مرّات إلى الجلوس في البيت، وربّما ترك هذا في نفسه آثارا من الحزن، ورغم ذلك فقد أوقف أكثر من نصف شعره على ما نسمّيه شعر القضيّة العربيّة، فلم تخلُ مناسبة وطنيّة أو قوميّة من قصيدة له، وظلّ ملتزما بانتمائه السياسي حتى استشهاده، وقد كان أوّل رئيس للمكتب الفرعي لاتحاد الكتاب في حمص، ولأسباب عديدة ظلّ المكتب لافتة ومقرّاً لا غير، وقد كتبت مقالا بعنوان "اتحاد الكتاب في حمص لا فتة وباب مغلَق"، فأُعيد تشكيل المكتب، برئاسة مراد السباعي، وقد عُهد للمرحوم شكري هلال بمسؤولية إدارة مدرسة الاعداد الحزبي، كما كان رئيسا لتحرير جريدة العروبة.
كان من أوائل من مدّد هاتفا لبيته في وادي السايح، من أبناء شريحتنا، وكانت الأرقام رباعيّة في المدينة كلّها، وكان الحصول على الهاتف حلما من الأحلام، ولقد دخلت مفردة الهاتف والهتّاف في الكثير من قصائده الوجدانيّة،
كان من أوائل من تمكّن من شراء سيارة صغيرة مناسبة، فقد كان نشيطا في إعطاء الدروس الخصوصيّة في اللغة العربيّة،.. اشتراها يوم لم يكن يقوم بذلك إلّا الممتلئون ماديّا، وقد كانت دروس الأستاذ في الصفّ كافية وافية في كلّ مادة، وربّما تباهت بعض العائلات الثريّة بأنّ أستاذا يأتي إلى بيتهم لتدريس ابنهم، أو بنتهم.
كان بشوشا، مسالما، ودودا، خرج ذات صباح من بيته في وادي السّايح للفرن القريب منه، وكان ذلك في ثمانينات القرن الماضي، أثناء هبّة مسلّحة من هبّات جماعة الاخوان، فاغتاله أحدهم قرب باب الفرن، فسقط مضرَّجا بدمه، وسقطت من يده أرغفة الخبز، وترك خلفه زوجة وطفلة.
ذات يوم وصلني مصنّف ضخم يضمّ مئات من الصفحات المرقونة بالآلة الكاتبة، وقد حُوِّل إليّ من اتحاد الكتاب العرب بدمشق، لانتقاء ما يشكّل مجموعة شعريّة، وكان ذلك ما تركه الشاعر الشهيد المرحوم شكري هلال، ولقد جهدت أن أختار من هذا الكمّ الهائل أفضل ما فيه بحسب ذائقتي، مع التمسّك بالاخلاص له من جهة، وللذائقة الشعريّة من جهة أخرى.
رحم الله شكري هلال، أبا الشّكر، الشاعر الحزين، شاعر الرومانس، كما كانوا يسمّونه...
نشر في صحيفة العروبة في 8/8/2009
*****
نحن في بداية الثمانينات من القرن الماضي، فجأة أصيب أخي المرحوم عيسى بألم يعتصر صدره، ويتصبّب عرقه بغزارة، لم أعد أذكر بمَن اتّصلت فاتّصل بدوره بدكتور القلب الشهير في حمص عاطف أتاسي، وأعطاه العنوان، ولم أكن قد عرفته من قبل، رغم تنقّلاتي بين أطبّاء القلب، ولم يطل الوقت فقد وصل بسيارته، وكنتُ ارقب مجيئه على جمر من القلق، نزل من السيّارة ومعه رجلان آخران يتنظران منه أن يذهب معهما لرؤية مريض آخر.
فارع الطول، مع بياض في الوجه أقرب إلى الشّقرة، معتدل القامة، بهيّ الطّلعة، وللوهلة الأولى بعد السلام شعرتُ أنّ كلّ ثانية في وقته تنتظر الأخرى، حمل حقيبته ودللْته على الغرفة التي فيها أخي.
كنّا ثلاث عائلات نسكن في هذه الشقّة، والدايّ رحمهما الله، وأخي عيسى وأسرته، وأنا في القسم الجنوبيّ منها، وقد أقمتُ حائطاً بيني وبين الآخرين يؤمّن لي بعض الهدوء اللآّزم لحياتي.
فور الانتهاء من فحصه نفض يديه بقوّة، وبتأفّف وتعجّب قال: "ما هذا؟! جلطة وهو في الثلاثين من العمر؟! شيء لا يكاد يُّصدّق"؟!
رجوتُه أن يذهب معي إلى غرفتي لكتابة الدواء، وهي غرفة فيها سرير نومي، وقربه آلة تسجيل ماتكاد تتوقّف، ومكتبتي موزّعة على معظم جدران الغرفة، وفي الجهة الجنوبيّة منها (صوفا)، وكرسيان من حديد، مجدول عليهما جدائل من البلاستيك، وعدد من الصور، اخترتها من المجلاّت، ملصوقة على الباب من جهة الدّاخل، فور دخولنا، ومصادفة كان شريط المسجّلة يبث كونشيرتو البيانو لشوبان، وفور جلوسه انتبه للموسيقى فقال لي: "هذا كونشيرتو البيانو لشوبان"، فأدركتُ أنّني امام مستمع نوعيّ للموسيقى الكلاسيكيّة، فأخرجتُ الشريط ووضعتُ شريطا للعود للعازف العراقيّ الشهير منير بشير، ولم يكن معروفا في سوريّة إلاّ لدى القليل من المهتمّين، سألته: "كيف قهوتك"؟ فالتفت إلى مَن معه وقال لهما بلطف: "أنا منذ الصباح لم أرتح، من مريض لآخر، وأشعر أنّي أستطيع أن أشرب فنجان قهوة هنا في هذه الغرفة"، ومسح الغرفة بعينيه، فأجاباه لما أراد، وقال لي: "دون سكّر"، وحين وضعتُ القهوة أمامهم أرهف السمع إلى مايُبثّ من المسجّلة، وسالني: "مَن هذا"؟ قلت: "هذا منير بشير عازف وموسيقار عراقي، أسّس مع أخيه الأكبر جميل بشير طريقة جديدة في العزف على آلة العود"، قال: "لم أسمع به من قبل"، قلت له: "غداً سيكون عندك هذا الشريط الذي تستمع إليه"، قال وهو يبتسم: "شكرا"، وظلّ يُرهف السّمع ويُنقّل عينيه في الغرفة المتواضعة، وطلب سيكارة فقدّمتها له، وأجال بصره مرّة أخرى، وقال لي بلهجة ودودة، مريحة، هذه الغرفة توحي بأنّ صاحبها عزب، وما أظنّك عازبا حتى الآن"؟، قلت: "عندي (عِرّ) أولاد، ومنهم ثلاثة دخلوا مرحلة الشباب، هذه يا دكتورنا الغالي بعض نواتج الزواج الباكر، جلس لمدّة ربع ساعة تقريبا، ونهض ليتابع مشواره في معالجة مرضاه، وما أكثرهم، خرجتُ قبله أدلّه على الطريق، إذا يصعب معرفته بسهولة إلّا على ساكنيه، أو على مَن زارني أكثر من مرّة، وكان زوّاري كُثُر تلك الأيام، حين أصبحنا قرب باب الدّار، أخرجتُ محفظة النّقود، وقلت: "أؤمرْ يا دكتور"، فأمسك بيدي وقال: "لا تشوّه الجلسة"، وأدار ظهره باتجاه السيارة، وغادر، في اليوم الثاني كان شريط منير بشير عنده، وبدأت بعدها بالتردّد على عيادته في (الدّبلان)، بين فترة وأخرى، ولم أكنْ قد اُصبت بذلك الاحتشاء، وما تلاه من عواقب، وعمليّات.
أذكر أنّني راجعتُه ذات مرّة، وعيادته لا تخلو من الازدحام، وبعد ان انتهى منّي طلب من الممرّضة فنجانين قهوة، قلت له معتذرا: "ومَرضاك"؟! فقال: "أنا منذ أن أصحو لا عمل لي إلّا مرضاي، ولا يأتيني في كلّ مرّة مَن أستطيع أن أشرب معه القهوة وأنا مرتاح"، وفي إحدى الزيارات أهداني كتاب "جماليات المكان" لباشلار، مصوّراً، وما زال الكتاب في مكتبتي.
الدكتور عاطف أتاسي، الطبيب، الانسان، المثقّف، المحبّ للموسيقى الرّاقية، مدّ الله في عمرك، وكثّر من أمثالك...

نشر في صحيفة العروبة في 15/7/2019