كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ينجح القاتل عندما تصير الضحية صورة عنه

ريتا خير بك

قرأت اليوم هذا التذكير عن درسيم… مكتوباً بالتركية.
لكن ما يوجع القلب ليس اللغة، بل أن الحكاية نفسها ما زالت تتكرر كأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة منذ ٨٨ عاماً.
قصة الشيخ رضا لم تكن يوماً مجرد سطر في كتاب تاريخ بالنسبة لي؛ كانت دائماً تسكنني، تمشي معي، تنام تحت وسادتي. اليوم أشعر بها تحت جلدي حرفياً؛ كأن حبل المشنقة ما زال مشدوداً في عنق كل علوي وكل علويّة، من درسيم إلى الساحل السوري، من شيخ رضا وشيخ شعبان إلى شباب حمص الذين ذُبحوا اليوم لأنهم فقط… يشبهوننا.
٨٨ سنة على مجزرة درسيم، على إعدام شيخ رضا، على القرار البارد الذي قال: يكفي أن تكون علوياً لتُباد.
اليوم، بعد ٨٨ سنة، يُقتل أربعة شبّان علويين في حمص، كخبر عابر، كأن دمهم ماء، كأن التاريخ يعيد الجريمة نفسها بوجوه جديدة وسكاكين جديدة، لكن بعقل القاتل ذاته: عقل يعتبر وجودك خطأ يجب تصحيحه بالرصاص والذبح والإخفاء.
الساحل… درسيم أخرى.
السابع من آذار ليس تاريخاً في تقويمنا، بل كسرة في الجماجم وكسرة في قلوب الأمهات. يومها لم يكتفوا بالقتل؛ حاولوا سحق إنسانيتنا أيضاً. كانوا يريدون أن يجعلونا نشك حتى في حقنا في الحزن، في حقنا أن نقول: نحن نُباد. كانوا يريدون منا أن نصمت، أن ننكر موتانا، أن نعتاد صور الجثث كما يعتادون هم على الضغط على الزناد.
لكن انتصار القاتل الحقيقي ليس حين ينجح في قتلنا، بل حين ينجح في تحويلنا إلى صورته.
الطاغية ينتصر يوم نصير مثله:
يوم نصير نبرر القتل كما يبرره،
نستهين بدم غيرنا كما استهان بدمنا،
نضحك على جثث الآخرين كما ضحكوا على جثث أطفالنا في السابع من آذار، وفي حمص، وفي كل قرية علويّة تُعدّ موتاها بصمت.
نحن لسنا أبناء المقصلة، نحن أبناء الذين صعدوا إلى حبالها مرفوعي الرأس.
لسنا أبناء الجلاد الذي يكرر المجزرة بلغات مختلفة، بل أبناء الضحايا الذين رفضوا أن يكون القتل عقيدة، حتى وهم يُقْتَلون.
من درسيم إلى الساحل، من شيخ رضا إلى آخر شاب علوي يُقتل اليوم فقط لأنه علوي، الحكاية واحدة: كل ما أرادوه أن نصير مثلهم، أن نحمل الكراهية في عيوننا كما يحملونها، أن نرى العالم طوائف ومذاهب لا بشراً ووجوهاً وأمهات.
لن نمنحهم هذه المتعة.
سنحمل وجعنا كسكين في الذاكرة، لا كسكين في عنق أحد.
سنكتب أسماء شهدائنا على جدار التاريخ، لا على قائمة ثأر.
سنقول لهم بوضوح قاسٍ كريح كانون:
نعم، أنتم قتلتم شيخ رضا وشيخ شعبان، قتلتم شباب حمص، وذبحتم أبناء السابع من آذار، لكنكم لم تنجحوا في صناعة نسخة أخرى منكم فينا. لم تنجحوا في جعلنا نعبد موتكم كما تعبدون أنتم الدم.
مجزرة درسيم لم تنتهِ بعد، وما يجري اليوم في حمص والساحل ليس حدثاً منفصلاً عن تلك الحبال القديمة.
لكن ما زال بإمكاننا أن نختار: إما أن نكون صفحة جديدة في دفتر القتلة، أو أن نكون آخر جيل يرفض أن تتحول الضحية إلى جلاد.
لهذا أكتب اليوم:
من درسيم إلى حمص، من حبل المشنقة إلى رصاصة في رأس شاب علوي، هذه ليست فقط قصة إبادة، بل امتحان أخلاقي قاسٍ لنا جميعاً.
إما أن نخرج منه بشراً، أو نخرج منه مثلهم… وحينها يكون القاتل قد انتصر حقاً.
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية