مؤسسات السلطة والتزييف البنيوي للذاكرة الجمعية.. من إنتاج الصورة إلى هندسة الوعي
2025.11.11
محمود اسماعيل
تلعب مؤسسات السلطة – بما فيها المؤسسات السياسية، والإعلامية، والتعليمية، والدينية – دورا محوريا في عملية التزييف البنيوي للذاكرة الجمعية، إذ لا تكتفي هذه المؤسسات بإدارة الشأن العام أو صياغة السياسات، بل تتجاوز ذلك إلى إنتاج الصور الذهنية التي تصبح لاحقا جزءا من البنية الإدراكية للمجتمع. فالمؤسسة السلطوية لا تمارس السيطرة من خلال القهر المادي فقط بل من خلال إعادة تعريف الواقع نفسه، أي عبر تشكيل الخيال الجمعي الذي يحدد ما هو "طبيعي" وما هو "ممكن" وما هو "ممنوع التفكير فيه".
يصف ميشيل فوكو هذا النوع من السلطة في تحليله لـنظام الخطاب بأنها سلطة "تنتج الحقيقة" لا تقمعها فحسب، فالخطاب السلطوي يحدد حدود القول والفكر والمعنى، وبذلك يعيد إنتاج نفسه داخل الأذهان بوصفه معيارا للحقيقة. وهنا تتجلى آلية التزييف البنيوي: إذ تتحول البنية المؤسسية ذاتها إلى آلة رمزية لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي بما يخدم استمرارية السلطة.
أما أنطونيو غرامشي في حديثه عن "الهيمنة الثقافية" فيرى أن الطبقة الحاكمة لا تبقى في موقعها عبر القوة وحدها بل عبر قدرتها على جعل رؤيتها للعالم الرؤية الطبيعية والمقبولة عند الجميع، أي أن المؤسسات السلطوية من المدرسة، الإعلام، الدين، الثقافة تعمل كجهاز لإعادة إنتاج الهيمنة عبر ما يسميه غرامشي (الموافقة الطوعية)، وهي حالة يقبل فيها الأفراد منظومة القيم السائدة دون وعي بأنهم يعيشون داخل إطار مفروض عليهم.
في هذا السياق، يمكن فهم الإعلام الرسمي وشبكات التواصل كمؤسسات سلطة معاصرة تعيد إنتاج الصور الذهنية باستمرار. فهي لا تنقل الوقائع بقدر ما تعيد صياغتها داخل قوالب رمزية مشبعة بالعاطفة والانتماء. كما أشار بيير بورديو إلى أن "الرمز هو أخطر أشكال السلطة لأنه يمارس تأثيره دون عنف ظاهر"، فاللغة والصورة والشعار والطقس السياسي جميعها أدوات لإنتاج الإذعان الرمزي عبر تشكيل الإدراك.
وتتجلى خطورة هذا التزييف البنيوي في قدرته على تطبيع الزيف حتى يصبح هو الواقع ذاته. فحين تكرس المؤسسة التعليمية مثلا رواية تاريخية معينة، أو حين يبنى الإعلام على ثنائية "الوطني/الخائن"، تتشكل في الوعي الجمعي صور ذهنية مستقرة يصعب نقدها لأنها تكتسب صفة القداسة أو الوطنية. ومع مرور الزمن، تتحول هذه الصور إلى "حقائق جمعية" تتوارثها الأجيال لتصبح جزءا من هوية المجتمع ذاته.
ولذلك، فإن مواجهة هذا النمط من التزييف لا تتم عبر تفنيد معلومة أو كشف تزوير تاريخي فحسب بل عبر تفكيك بنية السلطة الرمزية التي تنتج الصور الذهنية وتعيد تغذيتها. فكما يقول بول ريكور في حديثه عن "الذاكرة والتاريخ والنسيان"، إن استعادة الذاكرة الحقيقية تتطلب نقد "سرديات الذاكرة الرسمية" وفهم كيف ولماذا تم تأطيرها بهذه الطريقة.
إن المؤسسات السلطوية لا تزيف الذاكرة فقط بل تعيد صياغة أدوات التفكير ذاتها. فهي تتحكم في شروط الرؤية والقول والتأويل لتصبح الحقيقة ذاتها نتاجا سلطويا. من هنا يصبح تحرير الوعي الجمعي مرهونا بقدرة الأفراد والمثقفين على تحرير الصورة الذهنية من قبضة المؤسسة وعلى إعادة بناء وعي نقدي قادر على مساءلة الأطر التي تقدم الواقع كحقيقة مطلقة.