في سرّ المقهى الأدبي
2025.10.03
علي بدر
المقهى الأدبي ليس مكانا عابرا تسكب فيه فناجين القهوة على طاولات من رخام بارد، بل هو مسرح للثورة... في كافيه سنترال في فيينا كان تروتسكي يرسم أحلام الثورة، وفرويد يخط ملاحظاته عن اللاوعي، وجوزيف روت وكارل كراوس يسخران من أوروبا القديمة وهي تتداعى. باريس بدورها صارت العاصمة الكبرى للمقاهي الأدبية. فمن لو بروكوب حيث ناقش فولتير وروسو وديدرو أفكار التنوير، إلى فلور ودو ماغو حيث كتبت سيمون دي بوفوار رواية الماندرين ودون سارتر فلسفة الحرية، ظل المقهى الباريسي مختبرا للفكر الحديث. على طاولة صغيرة في كلوزيري دي ليلاس جلس همنغواي ليكتب قصصه الأولى، بينما كان جيمس جويس في الركن الآخر يقرأ بصوت مرتفع مقاطع من يوليسيس. وفي مونبارناس، على مقربة من لا روتوند ولا كوبول، كان بيكاسو يرسم وجوها جديدة للفن الحديث، فيما ينقب أندريه بريتون وأصدقاؤه السرياليون عن لغة تقلب العالم رأسا على عقب.
لكن المقهى الأدبي لم يكن امتيازا أوروبيا فحسب. ففي مدريد، كان كافيه خيخون ملاذا لكتاب ما بعد الحرب الأهلية، من كاميلو خوسيه ثيلا إلى بويرو باييخو، حيث النقاشات عن الحرية والرقابة تصطدم بدخان السجائر. وفي بوينس آيرس، في تورتوني، جلس بورخيس يتأمل المتاهة والذاكرة، بينما يعزف موسيقي شاب على البيانو نغمة تانغو حزينة. لقد امتزجت القهوة هناك بموسيقى الشوارع، وصار المقهى معبدا للأدب كما هو مسرح للهوية الوطنية.
وفي نيويورك، لم يلبث المهاجرون الأميركيون أن حولوا المقاهي إلى بيوت بديلة. في غرينيتش فيليدج، كان آلن غينسبرغ يقرأ قصيدة عواء للمرة الأولى في Café Reggio، بينما يسجل جاك كيرواك ملاحظاته المتقطعة، ويبتسم لورنس فيرلينغيتي إدراكا بأن جيلا جديدا يولد بين الجدران الملطخة بالدخان. هناك، في أميركا، لم يكن المقهى صدى لأوروبا فقط، بل صار منصة للاحتجاج ضد الحرب الفيتنامية، وللغناء مع الجاز والفولك، ولصياغة هوية مضادة للثقافة السائدة.
إن ما يوحد كل هذه الأمكنة، من الباليت في باريس إلى كافيه سنترال في فيينا، ومن تورتوني في بوينس آيرس إلى ريجيو في نيويورك، هو أن المقهى الأدبي كان دوما أكثر من مكان هو بيت منفى للغريب، مكتب مؤقت للكاتب الفقير، صالون حرية للمفكر، ومسرح مصغر للشعراء الذين يكتبون على المناديل الورقية. في المقهى تتجاور الأرستقراطية مع الطبقة العاملة، المهاجر مع المحلي، المرأة الكاتبة مع الصحفي العابر، في لحظة مساواة رمزية تصنعها الكلمة قبل أي شيء آخر.
ولعل سر المقهى الأدبي يكمن في أنه يعلق الزمن فنجان واحد يتيح ساعات من الجلوس، كما لو أن القهوة تشتري لك زمنا إضافيا، زمنا للكتابة أو للتأمل أو لمراقبة المارة. بهذا البطء ولدت النصوص الكبرى، وبهذا البطء اكتشف الكتاب أن الأدب ليس في العزلة وحدها، بل في الضجيج أيضا. المقهى الأدبي هو إذن غرفة المعيشة الكبرى للثقافة الحديثة، المكان الذي تتدفق فيه الكلمات كالنبيذ، وتبقى فيه الحكايات معلقة في الهواء مثل دخان كثيف، لا يزول بل يتبدد ليعاد تشكيله من جديد.