كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سوريا والمرحلة الانتقالية

بداية لمرحلة تحرر حقيقية، أم الاستبداد في ثوبٍ جديد؟
مروان حبش
تعتبر سوريا واحدة من أكثر البلدان تأثراً بالنزاعات المسلحة في العقود الأخيرة، حيث شهدت حرباً مدمرة منذ عام 2011 أدت إلى انهيار النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ومع سقوط نظام الأسد المجرم، بدأ الحديث خلال المرحلة الانتقالية حول كيفية تجنب مظاهر الاستبداد التي قد تعيد إنتاج الأزمات بدلاً من بناء دولة ديمقراطية.
مظاهر الاستبداد في الإعلانات الدستورية
1-التركيز على السلطة: غالباً ما تتضمن الإعلانات الدستورية الانتقالية تركيز السلطة في يد مجموعة صغيرة أو شخص واحد، مما يؤدي إلى غياب التعددية السياسية. هذا التركيز يمكن أن يؤدي إلى إعادة إنتاج نظام استبدادي، حتى لو كان تحت مسمى "انتقالي".
2- عدم الشفافية: في كثير من الأحيان، تكون العمليات السياسية غير شفافة، مما يتيح للسلطة الانتقالية اتخاذ قرارات بدون رقابة شعبية أو قانونية. هذه الممارسة تعزز من حالة الفساد وتضعف الثقة بين المواطنين والسلطة.
3- تقييد الحريات: يمكن أن تتضمن الإعلانات الدستورية قيوداً على الحريات العامة مثل حرية التعبير وحرية التجمع، مما يعزز من بيئة قمعية ويمنع المواطنين من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية.
4- استبعاد مكونات وتهميشها: غالباً ما يتم استبعاد بعض الفئات الاجتماعية والسياسية من العملية السياسية، مما يعزز من الانقسام الاجتماعي ويزيد من التوترات بين المكونات المختلفة.
مخاطر الاستبداد في المراحل الانتقالية
1- إعادة إنتاج الصراع: استمرار مظاهر الاستبداد قد يؤدي إلى نشوب صراعات جديدة، حيث يشعر المواطنون بأن حقوقهم الأساسية مهددة وأنهم غير ممثلين في السلطة الجديدة.
2- تآكل الثقة في المؤسسات: إذا كانت المؤسسات الانتقالية غير قادرة على تحقيق العدالة والمساواة، فإن ذلك سيؤدي إلى تآكل الثقة في هذه المؤسسات، مما يعقد جهود الانسجام المجتمعي وإعادة الإعمار والتنمية.
3- زيادة الفقر والبطالة: يمكن أن تؤدي السياسات الاقتصادية الاستبدادية إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة ويؤثر سلباً على حياة المواطنين.
4- تفكك النسيج الاجتماعي: الاستبداد قد يؤدي إلى تفكك العلاقات بين مكونات المجتمع المختلفة، مما يزيد من خطر النزاعات الطائفية والعرقية.
الأسس الواجب اتخاذها لتجنب عودة الاستبداد
1-تعزيز الديمقراطية: يجب أن تكون هناك خطوات واضحة نحو بناء نظام ديمقراطي حقيقي يضمن حقوق جميع المواطنين ويشجع على التعددية السياسية.
2- إصلاح المؤسسات: يتطلب الأمر إصلاح المؤسسات الحكومية والقضائية لضمان استقلاليتها وفعاليتها، مما يسهم في تعزيز الثقة بين المواطنين والدولة.
3- تعزيز المجتمع المدني: يجب دعم المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني لتعزيز المشاركة الشعبية والمراقبة على الحكومة، مما يسهم في بناء ثقافة سياسية أكثر انفتاحًا وديمقراطية.
4-التعليم والتوعية: يعتبر التعليم والتوعية من الأسس المهمة لتعزيز الوعي السياسي والاجتماعي لدى المواطنين، مما يساعدهم على المطالبة بحقوقهم والمشاركة بفعالية في الحياة السياسية.
5-الحوار الوطني: يجب تشجيع الحوار بين مختلف مكونات المجتمع السوري للوصول إلى توافقات سياسية تشمل جميع الأطراف وتساهم في بناء مستقبل مشترك.
سوريا الغد تقف اليوم على أعتاب منحدر خطير. إذا انساقت وراء إغراء "القبضة الواحدة" تحت ذرائع استعادة الأمن وإنعاش الاقتصاد وتسريع الإعمار، فإنها ستعيد كتابة فصول المأساة مجددًا. إن المجتمع السوري اليوم متشظٍ، والطائفية المسلّحة لا تزال تلقي بظلالها على النسيج الاجتماعي. ولذا، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج "الرجل الأوحد" ستكون بمثابة قنبلة موقوتة تهدد مستقبل البلاد.
إن سوريا ما بعد سقوط النظام الأسدي تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالاستبداد والإقصاء. ومع ذلك، فإن بناء نظام سياسي ديمقراطي قائم على العدالة والمساواة يتطلب جهوداً جماعية وإرادة سياسية قوية. إذا تم اتخاذ الخطوات الصحيحة، يمكن أن تتحول سوريا إلى نموذج للدولة المتماسكة التي تعكس تنوع مكوناتها وتحقق التنمية المستدامة
إذا أراد السوريون تشييد دولة جديدة، فإن التفكير في بناء هذه الدولة يجب أن يتجاوز فكرة "الزعيم الأوحد" الذي يجمع بين يديه مفاتيح الدستور والاقتصاد والأمن. إن التاريخ يوضح أن الاعتماد على شخصية واحدة فقط في الحكم لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، ويُعيد إلى دوامة من الفوضى والانقسام. لذا، فإن الخلاص الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات قوية وشفافة، تعكس تطلعات الشعب وتضمن حقوقه.
الدستور في سوريا الغد يجب أن يكون عقداً اجتماعياً جامعاً، لا أداة مفصّلة على مقاس الحاكم. فإذا انساقت البلاد مجدداً إلى إغراء "القبضة الواحدة" تحت ذرائع استعادة الأمن أو إنعاش الاقتصاد أو تسريع الإعمار، فإنها ستدخل في الحلقة ذاتها التي أوصلتها إلى الخراب ويُعيدنا إلى دوامة من الفوضى والانقسام: مجتمع متشظٍ، طائفية مسلّحة، واقتصاد يترنّح.
من هنا، يصبح قلب المعادلة ضرورة تاريخية: فالدستور يوضع لحماية المجتمع من السلطة، لا لحماية السلطة من المجتمع.
إن مؤشرات التقدّم في المرحلة الانتقالية لا تُقاس بمدى تركيز الصلاحيات، بل بمدى توزيعها وتوازنها. والعبور الآمن من الحرب إلى السلم لا يتحقق عبر المصالح الفئوية أو التحالفات الضيقة، بل عبر بناء مؤسسات راسخة تسبق كل حسابات الربح والخسارة. لذا، فإن الخلاص الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات قوية وشفافة، تعكس تطلعات الشعب وتضمن حقوقه.
إن تجربة المجتمعات التي عانت من الأنظمة الاستبدادية تُظهر بوضوح أن غياب العدالة الانتقالية وعدم وجود آليات فعالة لمحاسبة المتورطين في الجرائم، يؤديان إلى تفشي الفساد واستمرار الظلم، ويحوّل ملفات الجرائم إلى أوراق مهملة يطويها النسيان لتعود وتفتح جروحاً جديدة، مما يعيق أي محاولة لتحقيق مصالحة حقيقية بين مكونات المجتمع السوري. لذا، يجب أن يكون هناك التزام حقيقي بفتح ملفات الماضي، وتحقيق العدالة للضحايا، وإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
التجارب المأساوية لشعوب أخرى شاهدة على أن كل من أعاد إنتاج "الرجل الأوحد" خسر دولته قبل أن يربح استقراره. لذلك، على السوريين أن يتجنّبوا إعادة السير في الطريق ذاته، وأن يجعلوا من الدستور والمواطنة والمؤسسات الركائز الأولى لدولة لا تقوم على شخص، بل على عقد اجتماعي حيّ يحمي الجميع.
يجب عدم الانخداع بوعود الاستثمارات التي قد تأتي في المرحلة الانتقالية، لأنها ستبقى حبرًا على ورق ما لم تكن هناك بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، إن التجارب المأساوية لشعوب عانت من وعود زائفة يجب أن تكون درسًا للجميع. فالتغيير الحقيقي يتطلب إرادة جماعية وعزيمة على بناء دولة مدنية ديمقراطية، تستند إلى مبادئ العدالة والمساواة.
إن العبور الآمن من الحرب إلى السلم يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الحلول السطحية، وتعمل على تأسيس نظام سياسي يحترم حقوق الإنسان ويضمن العدالة الاجتماعية.

إن الطريق نحو سوريا جديدة يتطلب شجاعة في مواجهة الحقائق الصعبة، وإرادة قوية لبناء نظام سياسي يضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. فقط، من خلال العمل المشترك والتفكير النقدي يمكن للسوريين أن يحققوا أحلامهم في الحرية والعدالة والاستقرار.

راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟