الانتماء الثقافي وأسلوب التفكير
2025.09.06
مروان حبش
قراءة في كتاب "جغرافية الفكر" لعالم النفس الأمريكي ريتشارد نيسبت
صدر كتاب "جغرافية الفكر: كيف يفكر الآسيويون والغربيون ولماذا؟" لأول مرة عام 2003، وهو من تأليف عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ريتشارد نيسبت، أحد أبرز رواد علم النفس الثقافي. في هذا الكتاب، يحاول نيسبت تقديم أطروحة طموحة ومثيرة للجدل مفادها أن طريقة التفكير نفسها تتشكل عبر الثقافة، وأن الغرب والشرق، والأقصى منه خاصة، يختلفان جذريًا في إدراكهما للعالم، وطريقة التحليل، والتفسير، والاستدلال، بل وحتى في رؤيتهما لما هو "منطقي".
إن الكتاب الذي أثار إعجابًا واسعًا وجدلاً في آن، يعتمد على نتائج تجريبية مستفيضة لتوضيح اختلافات التفكير بين الشرق والغرب، إلا أن نيسبت لم يسلم من الانتقادات التي رأت أن طروحاته قد تعاني من الاختزال الثقافي والتعميم المفرط.
يناقش الكتاب العلاقة بين اللغة والتفكير، وكيف يمكن أن تؤثر اللغة التي نتحدث بها على طريقة رؤيتنا للعالم. ويقدم أمثلة من لغات مختلفة وكيف تعكس تلك اللغات أنماط التفكير الثقافية.
يرى نيسبت أن الناس لا يفكرون بطريقة واحدة عالمية، بل تتشكل أساليب التفكير من خلال السياقات الثقافية، وأن هناك نموذجين متمايزين للتفكير:
الغرب (الثقافة الغربية، خاصة الأنجلو-أمريكية):
يتميز التفكير الغربي بـالنزعة التحليلية، حيث يتم التركيز على الكائنات أو الأشياء بمعزل عن السياق. ويميل الغربيون إلى تصنيف العالم ضمن فئات ثابتة وفق منطق واضح، وإلى استخدام قواعد مجردة لتفسير الظواهر.
الشرق، والأقصى منه خاصة، حيث يتميز التفكير بـالنزعة الكلية (الشمولية)، إذْ ينظر الإنسان إلى الأمور ضمن سياقها، ويولي اهتمامًا بالعلاقات بين الأشياء وليس فقط خصائصها الفردية. كما أن هذا النمط من التفكير يميل إلى التناقضية، أي تقبل التناقض والازدواجية بدلًا من الحسم المنطقي القاطع.
وفي تجربة مشهورة، عرض نيسبت وزملاؤه على أطفال أمريكيين وآسيويين ثلاث صور: بقرة، ودجاجة، وعشب.
- الأطفال الأمريكيون ربطوا بين البقرة والدجاجة لأنهما من فئة "الحيوانات".
- الأطفال الآسيويون ربطوا بين البقرة والعشب لأن هناك علاقة وظيفية، لأن البقرة تأكل العشب.
يعود نيسبت بأسباب هذا الاختلاف إلى الجذور الفلسفية والتاريخية ليعزو هذه الفروق إلى تطور الفكر في الحضارتين:
- الفكر اليوناني القديم، المؤسس للفكر الغربي، كان يميل إلى التحليل والتجريد والمنطق الثنائي (صح/خطأ، خير/شر).
- أما الفكر الآسيوي، كالفكر الصيني الكونفوشيوسي والطاوي، فكان يتبنى رؤية شمولية، مرنة، تقبل التناقض، وتركز على التوازن والعلاقات بين الظواهر.
ويشير إلى أن هذه الفلسفات القديمة انعكست تدريجيًا على النظم التعليمية، والعلاقات الاجتماعية، وأنماط الحكم، وصولًا إلى تشكيل أنماط إدراكية ومعرفية مختلفة بين الثقافات.
نقاط القوة في الكتاب:
1-الاعتماد على تجارب نفسية متعددة الثقافات: لا يطرح نيسبت نظريته بشكل مجرد، بل يستند إلى عشرات الدراسات والتجارب النفسية المعملية والميدانية.
2-دمج علم النفس بالأنثروبولوجيا والتاريخ والفلسفة: مما يجعل الكتاب جذابًا ليس فقط للمتخصصين في علم النفس، بل أيضًا لدارسي الثقافة والفكر.
3-طرح جريء لسؤال "عالميّة العقل: هل هناك عقل بشري واحد، أم أن عقول البشر تُشكّلها ثقافاتهم؟ يذهب نيسبت عكس التيار المهيمن الذي يفترض أن العمليات المعرفية ثابتة عالميًا.
الانتقادات الموجهة للكتاب:
1-التعميم الثقافي واختزال التنوع الداخلي، رغم أن نيسبت يعترف بتنوع الثقافات، إلا أن الثنائي بين "الغرب" و"الشرق" قد يبدو تبسيطيًا. إن الغرب" يشمل ثقافات متعددة تختلف في نواحٍ كثيرة. والشرق أيضاً" ليس كتلة واحدة.
2- إهمال التغيرات الحديثة والعولمة، ينتقد بعض الباحثين تجاهل نيسبت لتأثير العولمة والتحديث على أنماط التفكير. فالكثير من الشباب الآسيوي اليوم يتبنى أساليب تفكير تحليلية، والعكس صحيح.
3-إمكانية الوقوع في النزعة الاستشراقية، يرى بعض النقاد أن الكتاب يعيد إنتاج صورة "الشرق الغامض" مقابل "الغرب العقلاني"، بطريقة مشابهة لما طرحه إدوارد سعيد في نقده للاستشراق.
4-غياب البعد الفردي داخل الثقافات، يوُجَّه النقد لنيسبت أيضًا، من منطلق أن تركيزه على الثقافة يهمل الفروقات الفردية داخل المجتمع الواحد. فليس كل غربي "تحليلي"، ولا كل آسيوي "شامل".
5-إسقاطات فلسفية لا تخلو من التحيز: أحيانًا يظهر ميل ضمني لتفضيل أحد أنماط التفكير – تحديدًا النمط الغربي – على الآخر من حيث "الفعالية العلمية" أو "الدقة"، مما يثير التساؤل حول مدى حيادية الكاتب.
رغم هذه الانتقادات، فإن كتاب "جغرافية الفكر" يظل مرجعًا مؤثرًا في علم النفس الثقافي، وقد فتح بابًا واسعًا أمام الباحثين لإعادة النظر في افتراضات كثير من التجارب النفسية "العالمية" التي أجريت في الواقع على عينات غربية فقط.
لقد ساهم الكتاب في توسعة نطاق علم النفس ليشمل التنوع الثقافي بدلًا من التعميم. وفي لفت الانتباه إلى أن البيئة الاجتماعية والتاريخية تشكل إدراك الفرد للعالم. وفي تشجيع المزيد من الأبحاث المقارنة بين الثقافات.
وأخيراً، لا بد من القول، بأن كتاب "جغرافية الفكر" يُعدُّ عملاً رائدًا في فهم العلاقة بين الثقافة والتفكير. لقد أثار أسئلة عميقة حول طبيعة العقل البشري، ومدى عالمية العمليات المعرفية. وبينما لا يمكن أخذ كل ما فيه كحقائق قاطعة، فإن قيمته تكمن في كونه محفزًا للتفكير وإعادة التقييم. ومع تصاعد أهمية فهم الثقافات المختلفة في عالم معولم، تزداد الحاجة إلى دراسات من هذا النوع، شرط أن تتسم بالحذر المنهجي، والانفتاح على التنوع الداخلي، وتجنب التعميم.
إن أطروحة نيسبت في "جغرافية الفكر" ليست مجرد وصف لفروق بين شرق وغرب، بل هي دعوة لإعادة التفكير في طبيعة الفكر الإنساني ذاته، وفي الحدود التي ترسمها الثقافة حول ما نراه معقولًا، واقعيًا، وصحيحًا. يؤسس هذا العمل لاتجاه جديد في فهم العقل بوصفه نتاجًا ثقافيًا بقدر ما هو بيولوجي.