كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سوريا بين وحدة الدولة وتنوعها

مروان حبش

منذ اندلاع الانتفاضة السورية في عام 2011، دخلت البلاد في نفق مظلم من العنف والصراع، كشفت خلاله هشاشة البنية السياسية المركزية التي حكمت سوريا لعقود، وأظهرت في الوقت ذاته التعدد الديني والطائفي والإثني والسياسي الكامن تحت سطح الدولة "المتماسكة" ظاهريًا. لقد فجر الاستبداد كل عوامل الانقسام، بعد أن قمع طويلاً مظالم الجماعات المختلفة، دون أن يعالج جذورها. ومع دخول الصراع عامه الخامس عشر، تبرز اليوم الحاجة الملحّة لإعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة، تضمن وحدتها، وتحترم تنوعها، وتمنع في الوقت نفسه العودة إلى الاستبداد أو الانزلاق نحو التفكك أو التقسيم.
في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن تمثّل اللامركزية نموذجًا قابلًا للتطبيق في سوريا؟ وهل يمكن ابتكار نموذج حكم تعددي لا يقوم على أسس إثنية أو دينية، ويضمن العدالة والمشاركة والتمثيل؟
تُعتبر المعضلة السورية الحديثة من أكثر القضايا تعقيدًا في العالم العربي، حيث تبرز فيها التحديات المتعلقة بوحدة الدولة في ظل تنوعها السياسي والإثني والطائفي والجغرافي. منذ اندلاع الصراع السوري أصبحت هذه التباينات أكثر وضوحًا، حيث تفجرت مظالم كانت خامدة تحت السطح لعقود طويلة. إن فهم هذه المعضلة يتطلب تحليلًا عميقًا للواقع السوري، مع التركيز على مدى "مواءمة اللامركزية" كحل ممكن، وكيف يمكن أن يؤدي إلى نموذج حكم تعددي أكثر عدالة ومرونة.
خلال العقود الماضية، عزز النظام المركزي الاستبدادي بقيادة الأسد ووريثه من سيطرته على جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى تهميش العديد من الجماعات. هذا التهميش خلق شعورًا بالغبن لديها، مما ساهم في تصاعد الاحتجاجات الشعبية في عام 2011.
اعتمد النظام الأسدي على خطاب "الوحدة الوطنية" و"محاربة الطائفية"، لكنها عمليًا همّشت الجماعات المختلفة، واستندت إلى تحالفات ضيقة، غلب عليها الطابع الطائفي والمناطقي، وجرى تذويب التعددية السياسية والدينية والإثنية والثقافية تحت غطاء الأمن القومي.
لكن هذا النهج لم يكن إلا تسكينًا مؤقتًا للتنوع السوري، الذي يتجلى في وجود جماعات متعددة فضلًا عن الفروقات الجغرافية.
مع اندلاع الانتفاضة الشعبية، تحوّل الصراع إلى صراع هويات وجغرافيات، وصعدت المطالب بالاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للجماعات، ووُضعت وحدة الدولة السورية أمام تحدٍّ حقيقي، خصوصًا مع نشوء كيانات شبه ذاتية الإدارة (كالإدارة الذاتية في الشمال الشرقي)، وصعود الحركات الإسلامية، وتدخلات القوى الإقليمية والدولية.
أثبتت الأزمة أن النموذج المركزي الذي بنيت عليه الدولة لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن تجاهل التنوع السوري أو قمعه لن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف والتفكك.
رغم المخاوف التي تثيرها بعض الأطراف من أن اللامركزية قد تؤدي إلى التقسيم أو الانفصال، فإنها في الواقع قد تكون الوسيلة الوحيدة للحفاظ على وحدة سوريا، شريطة ألا تُبنى على أسس إثنية أو طائفية، بل جغرافية – إدارية، تضمن المشاركة السياسية، وتحمي التنوع، وتمنع الاستبداد.
إن تبني اللامركزية الإدارية الواسعة الصلاحيات في سوريا يساهم بـ:
-العدالة التوزيعية تُوزع الموارد المالية والتنموية بشكل عادل بين المناطق المختلفة لتقليل الفجوات الاقتصادية والاجتماعية. وتمكين المحافظات من إدارة مواردها وموازناتها.
-المشاركة السياسية وتعزيز تمثيل المجتمعات المحلية في القرار.
-إدارة التعددية والسماح بتعبير سلمي ومنظم عن التباينات الثقافية والدينية.
- تقليص النزاعات وتخفيف الاحتقان بين المركز والأطراف.
- تحفيز التنمية، إذ غالبًا ما تكون السلطات المحلية أقدر على فهم مشكلات السكان.
-العدالة والمرونة، يتطلب تحقيق العدالة والمرونة في النظام السياسي السوري تصميم آليات تحافظ على حقوق جميع الفئات. يتضمن ذلك تعزيز مفهوم الهوية الوطنية السورية التي تشمل جميع الفئات، وليس فقط الأغلبية. وإنشاء منصات للحوار بين مختلف الفئات لضمان التفاهم والتعاون.
إن هذه اللامركزية يجب أن تأتي في إطار عقد وطني واضح، يؤكد وحدة الأراضي السورية، ويمنع سيطرة أي جماعة على حساب الأخرى.
ومن الخطأ اختزال التعددية في سوريا إلى محاصصة طائفية أو عرقية، على غرار ما حدث في العراق أو لبنان. إن أي نموذج للحكم يجب أن يقوم على أساس المواطنة المتساوية، وليس على الانتماءات الأولية. والعدالة لا تعني اقتسام المناصب على أسس دينية أو إثنية، بل خلق نظام يضمن تمثيل الجميع ويمنع الهيمنة والاستبعاد.
ومن النماذج الممكنة لتحقيق هذا التوازن، اعتماد نظام "المجلسين":
مجلس النواب: منتخب عبر اقتراع عام وتمثيل نسبي على أساس جغرافي، يعكس إرادة الأغلبية السكانية ويشرّع القوانين العامة.
مجلس الشيوخ: يمثل المحافظات والجماعات، ويمنح تمثيلًا متساويًا أو متوازنًا لكل محافظة، بغض النظر عن عدد السكان، بحيث يكون صمام أمان للتعددية، ويمنع التهميش.
هذا النموذج يُستخدم في العديد من الدول، ويساعد على ضمان توازن القوى بين المركز والأطراف، وبين الأغلبية والأقليات.
رغم وجاهة النموذج اللامركزي والمجلسين، إلا أن تطبيقه في سوريا سيواجه تحديات كبيرة، منها، غياب الثقة بين الجماعات بعد سنوات من الحرب والاقتتال. وضعف الثقافة الديمقراطية والتمثيلية. وخوف بعض الجماعات من التهميش، أو من عودة المركزية باسم الوحدة الوطنية. والتدخلات الإقليمية والدولية التي قد تسعى لفرض نماذج تخدم مصالحها. والاستقرار الأمني، إذ يجب معالجة القضايا الأمنية قبل تطبيق أي نظام سياسي جديد، حيث لا يمكن تحقيق الاستقرار بدون أمن فعّال.
لهذا، يجب أن يترافق الانتقال مع حوار وطني شامل يضم جميع القوى السياسية والجماعات الدينية والإثنية. ومع عملية دستورية شفافة تضع أسس الحكم التعددي وتكفل الحقوق. ومع برامج مصالحة وعدالة انتقالية تداوي الجراح وتعيد بناء الثقة. ومع ضمانات دولية لمنع العودة إلى الاستبداد أو حدوث انفصال.
إن جوهر المعضلة السورية الحديثة يكمن في كيفية تحقيق وحدة الدولة مع احترام تنوعها. وإن اللامركزية ونظام المجلسين يمثلان خطوات نحو نموذج حكم تعددي أكثر عدالة ومرونة. ومع ذلك، يتطلب الأمر إرادة سياسية قوية، وتعاوناً بين جميع الجماعات لضمان نجاح هذا النموذج وتحقيق السلام والاستقرار في سوريا. إذ لا يمكن لسوريا أن تعود إلى ما كانت عليه قبل 2011، ولا يمكن أن تُبنى من جديد على أنقاض التهميش والاستئثار. إن السبيل الوحيد إلى دولة موحدة مستقرة هو تبنّي نموذج حكم لا مركزي، تعددي، قائم على المواطنة المتساوية، وليس على الهويات الضيقة، وبشكل يضمن عدم تفكك الدولة.
هو ما يمكن أن يحقق سوريا العادلة، الواحدة، المتنوعة، الديمقراطية. 
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟