كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدولة المتعلّمة.. نحو عقل سياسي جديد

مروان حبش

في خمسينيات القرن الماضي، قدّم أستاذ العلوم السياسية في جامعة كمبردج، التشيكي كارل دويتش مفهومًا "ثوريًا" لفهم قوة الأنظمة السياسية، بعيدًا عن التقليد الكلاسيكي الذي يربط القوة بالموارد المادية فقط، كحجم الجيش أو الناتج القومي أو الثروات الطبيعية. طرح دويتش معيارًا جديدًاً: (القدرة على التعلم)، أي قدرة النظام على استيعاب المعلومات، ومعالجتها، واتخاذ قرارات فعّالة، والتعلّم من الأخطاء. هذه ليست مجرد مواصفات تقنية، بل سمات وجودية للدولة الناجحة، التي وصفها بـ "الدولة المتعلّمة".
تعتبر "الدولة المتعلمة" مفهومًا حديثًا يعكس قدرة الدولة على التكيف مع المتغيرات السريعة في العالم المعاصر. إن الدولة المتعلّمة، وفق دويتش، ليست تلك التي تَعْرِفُ كل شيء، بل تلك التي تعرف أنها لا تعرف كل شيء، وتتمتع بحساسية عالية تجاه التغيرات في بيئتها الداخلية والخارجية.
تتمتع الدولة المتعلمة بعدة خصائص، منها:
-القدرة على الاستجابة للتغيرات بسرعة وفعالية.
-تحليل البيانات والمعلومات واستخدامها في صنع القرار.
-التعلم من الأخطاء ومراجعة السياسات السابقة وتعديلها بناءً على الدروس المستفادة.
- بناء مؤسسات قادرة على دعم الابتكار والتكيف.
-رصد الإشارات الدقيقة في مجتمعها والعالم.
-استخلاص المعاني من الأزمات لا للإنكار، بل للفهم والتطوير.
-بناء مؤسسات تتعلّم من تراكم التجربة لا من الولاءات أو الشعارات.
-الاستجابة للواقع لا للأوهام، وللمستقبل لا للماضي فقط.
وبذلك تكون الدولة المتعلّمة هي نموذج لديناميكية عالية في الأداء السياسي والإداري، حيث يُصبح الفشل فرصةً للتصحيح، لا مناسبةً للتبرير أو القمع. وهي تلك الدولة التي تمتلك القدرة على التعلم من تجاربها السابقة، سواء كانت إيجابية أو سلبية. وتتسم هذه الدولة بالمرونة والقدرة على التكيف مع التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وتعتمد على مؤسسات قوية وقادرة على جمع المعلومات وتحليلها، مما يمكنها من اتخاذ قرارات مستنيرة.
إذا طبق هذا المعيار يكون المشهد مغايراً تمامًا. فبعض الدول المعاصرة، في معظم تجلياتها، لا تتعلّم، ولا تسعى إلى التعلم، بل غالبًا ما تُمارس الإنكار، وترفض المراجعة، وتتمسك بـ "ثوابت" لم تثبت جدواها في التاريخ ولا في الواقع. الأخطاء تُكرّر، وتُجمّل. والهزائم تُفسّر بأنها انتصارات معنوية. والثورات تُقمع لا تُفهم. والمعارضة تُخوَّن لا تُحتوى. والمعرفة تُقصى لصالح الإيديولوجيا والشعارات.
تعاني بعض الدول، حالة من الجمود وعدم القدرة على التعلم. وتستمر الأنظمة فيها بإعادة إنتاج الفشل من خلال التمسك بالثوابت التي لم تثبت جدواها. وتتجلى هذه الظاهرة في عدة مجالات:
-الانقسام السياسي: تعاني هذه الدول من انقسامات داخلية وصراعات سياسية تعيق عملية التعلم والتطور.
-رفض المراجعة: تفتقر أنظمة هذه الدول إلى الشجاعة لمراجعة سياساتها والاعتراف بأخطائها.
-الفشل في تحقيق التنمية المستدامة: تعاني هذه الدول من تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، بينما تظل استراتيجيات التنمية غير فعالة.
إنَّ أخطر ما تواجهه شعوب هذه الدول اليوم هو أنهم يعيشون في زمن مختلف، بمنطق قديم. إن الدول التي تصنع المستقبل هي التي تتعامل مع المعلومات، والتقنيات، والاستخبارات، والقيم، والمعرفة. وتسيطر على الفضاء السيبراني، وتحلل البيانات الكبرى، وتدير الإعلام ببراعة. بينما الدول التي لا تزال تناقش حرمة الإنترنت، أو تبث خطاب الكراهية الطائفي والمناطقي، أو خطابات ديماغوجية للاستهلاك الداخلي، أو تلغي الآخر، فإنها لا تُهزَم فقط، بل تُقصى من التاريخ نفسه.
إنّ أول ما يجب فعله للخروج من هذه الورطة التاريخية، هو إعادة تعريف الدولة. يجب أن ننتقل إلى دولة المواطنة والنظام الديمقراطي، ومن مفهوم الدولة السلطوية، إلى مفهوم الدولة الذكية؛ ومن الأمن القمعي إلى الأمن المعرفي والاجتماعي؛ ومن المصلحة الفردية للطبقة الحاكمة إلى المصلحة الوطنية الجماعية.
يكمن الحل في تغيير مفهوم الدولة وأنظمتها، وفي تغيير نمط التفكير، وفي بناء عقل جديد، عقل يفكر بلغة الأرقام والمعطيات، لا الأساطير والانفعالات. عقل يقرأ التقارير ولا يكتفي بالشعارات. عقل يخطط على المدى الطويل، ولا يركض وراء حلول سحرية مؤقتة. هذا العقل لا يولد صدفة، بل يُبنى عبر:
- بناء مؤسسات قوية لدولة ديمقراطية، وتعزيز المؤسسات الحكومية وغير الحكومية القادرة على دعم التحول نحو الدولة المتعلمة.
-إصلاح التعليم وإخراجه من التلقين إلى التفكير النقدي.
-تمكين مؤسسات البحث العلمي وإعطائها دورًا حقيقيًا في صناعة القرار.
-تشجيع الشفافية والمساءلة كمحركات لتعلّم الدولة ومؤسساتها من أخطائها.
-تحرير الإعلام من التوجيه والتضليل، وتحويله إلى أداة استقصاء وتنوير
تتطلب المرحلة الحالية لهذه الدول إنتاج "عقل جديد" قادر على فهم قواعد المستقبل والتكيف معها. ويجب أن يتجاوز هذا العقل التحديات التقليدية، ويعتمد على التفكير النقدي والتحليلي. ولتحقيق ذلك، يجب عدم مواجهة تحديات المستقبل بأدوات الماضي. والدول التي لا تتعلّم، تُعيد إنتاج فشلها. أما الدول التي تتعلّم، فهي دولة تصنع المستقبل، وتكتب تاريخها لا أن يُكتَب عنه.
في لحظة فارقة من تاريخ هذه الدول، لا تملك ترف الانتظار، ولا فرصة أخرى. الطريق الوحيد هو أن تبدأ ببناء الدولة المتعلّمة، الدولة التي تُحسن الإصغاء لمواطنيها، وتقرأ محيطها، وتتعلّم من أخطائها، وتُدير حاضرها برؤيةٍ منفتحة على المستقبل.
إن الانتقال نحو نموذج الدولة المتعلمة ليس مجرد خيار بل ضرورة ملحة في ظل التحديات المعاصرة. وإن المعرفة هنا ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية. لا يمكن لدولة أن تبني سياسات فعالة دون قاعدة معلومات دقيقة، ولا يمكن أن تنجح في التنمية إذا كانت مؤسساتها معطّلة، تتغذى على تمجيد حاكم أو سلطة، وعلى الفساد والمحسوبية.
يجب على هذه الدول أن تبدأ بإعادة تعريف مفاهيم الدولة والأمن والمعرفة، وأن تعمل بجد نحو إنتاج دولة مواطنة بعقل جديد يمكنه مواجهة المستقبل بفعالية وكفاءة. إن الفشل في القيام بذلك سيؤدي إلى استمرار حالة الانقسام والتخلف، بينما يمثل النجاح خطوة نحو تحقيق الازدهار والتنمية والاستقرار.
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟