السلفية خارج سوراقيا (سوريا والعراق): عندما يكفر اللون الواحد التوازن
2025.07.26
علي بدر
لم تكن السلفية، في جوهرها، إلا محاولة لاستعادة يقين ميتافيزيقي مطلق، في مواجهة التعدد والاختلاف والانقسام. إن هذا الشكل الراديكالي من الإسلام، في نشأته الحديثة، لا يمكن فهمه إلا خارج مفهوم "سوريا الكبرى-(سوراقيا) سوريا والعراق"، كما صاغه نجيب عازوري في أوائل القرن العشرين، وأعاده إلى مشروع نهضوي انطون سعادة لاحقًا، بوصفه كيانًا تتقاطع فيه الطوائف، وتتزاحم فيه الهويات، وتبنى الدولة فيه لا على نقاء العقيدة، بل على توازنها داخل الجغرافيا. لقد اعتبر سعادة أن سوريا الطبيعية-سوريا والعراق ـ من جبال طوروس إلى العقبة، ومن البحر المتوسط إلى البصرةـ هي حاضنة لتاريخ متعدد، لا يمكن اختزاله بدين، ولا يختزل بشعب، ولا يختصره إقليم. في هذا السياق، يصبح أي مشروع إقصائي بمثابة عدوان على التوازن.
السلفية، بهذا المعنى، وليدة الصحراء لا سوريا الطبيعية، نابعة من مناخات أحادية اللون والطائفة والعقيدة، كالتي سادت الجزيرة العربية، حيث انعدمت الحاجة إلى التفاوض الطائفي أو التسويات المذهبية، فترسخ شكل من الإسلام لا يرى في الخلاف فقهًا، بل فتنة، ولا في الآخر طائفة، بل مرتدًا. أما في سوراقيا سوريا الكبرى، فإن محاولة فرض لون واحد كانت دائمًا تعني انهيار الدولة أو الحرب.
إن الهويات المتوازنة التي نشأت بفعل التاريخ (مسيحيين، علويين، دروز، سنة، شيعة، إسماعيليين...) جعلت كل مشروع ديني إقصائي يصطدم بحائط الواقع. ومن هنا، فإن السلفية الجهادية ــ وهي الصيغة المسلحة من السلفية ــ بقيت وافدة على بلاد الشام. فهي لا تنبع من تجربتها التاريخية، بل تفض عليها من الخارج. ويمكن تلمس ذلك من خلال الغربة اللغوية والثقافية التي أحاطت بجماعات "النصرة" و"داعش"، ومن خلال الخلل الفادح في فهم البنية المجتمعية السورية التي تعاملت معها هذه الجماعات كما لو كانت صحراء نجد أو ريف بيشاور.
لقد كان لسوريا الكبرى دائمًا مناعة داخلية ضد هذا النمط من التفكير. فالدمشقي ابن البيئة الحنفية المتصالحة، واللبناني ابن التعدد الطائفي المعاش، والفلسطيني ابن النزاع الوطني لا المذهبي، والأردني ابن توازنات القبيلة والدولة، والعراقي ابن التعدد الطائفي والمذهبي لا يمكن له أن يتماشى مع السلفية الذي يعني، في الممارسة، إقصاء كل المختلفين ثقافيًا أو دينيًا أو طائفيًا.
إن السلفية هي عقيدة تعيش على غياب الآخر، فيما سوريا الكبرى هي هوية تأسست على ضرورة الآخر. أما في الخليج، حيث البنية المجتمعية أكثر تجانسًا (ولو ظاهريًا)، فقد وجدت السلفية ـ وخاصة الدعوية منها ـ بيئة مناسبة للانتشار. إذ لا وجود لتاريخ طويل من التسويات، ولا حاجة يومية للتعايش. فغابت الحاجة إلى "الحكم المدني"، وحلت محلها فكرة "الدولة الشرعية" بوصفها انعكاسًا للنقاء الديني، لا للتمثيل الشعبي. وإذا كانت السلفية في الشام قد حاولت دومًا أن تتحايل على الواقع التعددي، فإنها في الخليج لم تكن بحاجة إلى ذلك أصلاً. ولهذا، لم يظهر في الخليج مشروع يشبه مشروع سعادة أو حتى فكر عازوري، لأن الطائفة هناك هي البنية، لا أحد عناصرها.
إن الفرق بين السلفي والشامي أن الأول يخاف من الآخر لأنه لم يعرفه، أما الثاني فيخاف على الآخر لأنه لا يستطيع العيش دونه.