خِداع
2025.07.09
عبد الكريم الناعم
• بوجه تبدو عليه علامات الخيبة قال:" المؤكَّد أنّهم قد استغفلوني، أو ربّما كنتُ مغفَّلاً أكثر ممّا توقّعت، والمثير للألم أنّها ليست المرّة الأولى التي يحدث فيها ما حدث، فهل أنا مغفَّل لهذه الدرجة ولا أعرف ذلك"؟!
• أجابه:" قبل أن أسألك عن دوافع هذا الكلام، أتوقّف قليلا عند ذوي النوايا الطيّبة أمثالك،
الصّادقُ يُصدِّق معظم ما يسمعه، ويظنّ أنّ الناس لا يكذبون، منطلِقا ممّا هو عليه، ورغم نقاء سريرة هؤلاء، فإنّهم، غالباً، قد يستغفلهم (الخبثاء)، ولا أقول (الأذكياء)، لأنّ وراء كلّ خُبث ذكاء شرير، وليس بالضرورة أن يكون وراء كلّ ذكاء خُبث، فالمصلحون الاجتماعيّون، والمفكّرون، وأشباههم يحملون قدرا كبيرا من الذكاء، ويرفضون أن يكونوا خبثاء، مع أنّهم قادرون على ذلك، ولكنّ ضمائرهم تأبى عليهم،
الآن أسألك ما الدافع الذي جعلك تتكلّم بما سمعتُه منك"؟!!
• عبّأ رئتيه بنفس عميق، وزفر وقال:" أنت ترى منذ سبعة أشهر ونحن نعيش حالة زلزالية على مستويات عدّة، وبظني أنّنا سنظلّ نعيشها ما لم يهدأ الزلزال، وما ادري كم سيطول ذلك، وأنا أتكلّم عن أمثالي، إذ ثمّة أناس يرون أنّ ما يجري (مهرجانا) وليس هزات عميقة الأغوار، أنا أعرف أنّه في مثل هذه الأزمنة التي تختلط فيها الأحداث والمفاهيم، تتخلخل العقول، وقد تنبق مستجدّات، فكريّة، ونفسيّة، كانت هاجعة، وأعراض لم تكن تظهر، فلمّا وجدت فرصتها أطلّت برأسها، حتى كأنّ الذي كنّا نعرفه ليس هو، .. أعرف ذلك على ما فيه من ألم، بيد أنّني ما كنتُ أظنّ أن بعض الأسماء، أو ذوي الألقاب التي اشتُهرتْ على صفحات التواصل الاجتماعي، وأخذتْ بريق لمعانها،..أنّها تقف في صفّ المظلومين، والذين لا يشكّ في ظلامتهم إلاّ من امتلأ بالحقد من أخمص قدمه حتى أعلى قمّة في روحه، - إنّ كان لقمّته روح – ثمّة مَن تكشَّف عن أنّه كان يخدع كلّ الذين أثنوا على مواقفه، فإذا هو يتلاعب بعواطف المظلومين ليستجرّهم إلى اتّخاذ مواقف تدفعهم نحو مزيد من الدماء والخراب والتشريد؟!
• أجابه:" ما ذكرتُه في البداية، كتمهيد فيه بعض الجواب، ولا تنس أنّ الغريق يتعلّق بالقشّة، كما يُقال، ولعبة الخِداع ليست جديدة فهي قديمة قِدَم الخُبث البشري، أقول (البشريّ) لأنّ خبث بعض الحيوانات أقلّ خطراً من خُبث مَن له صورة إنسان، وفي داخله روح شيطان رجيم،
في حكاية سيدنا آدم (ع)، وفي بُعدها الأسطوري، - وأنا هنا استخدم الأسطورة بمعناها الإيجابي الرمزي- في تلك الحكاية، حين خطّط إبليس لإيقاع آدم وحوّاء في أحابيله، (قاسَمَهما)، - بحسب لغة القرآن الكريم - أي أقسم لهما بأيمان مغلَّظة، إنّه لهما من النّاصحين، فوقعا في تلك الخطيئة، ومثل هذا ما زال يجري، بين الأفراد تارة، وبين الدّول أخرى، وهو بين الدّول، وأربابها أكثر شيوعا، بسبب تعدّد (المطامع) ولا أقول ( المصالح)، ففي مفردة المصالح رائحة تبادلٍ لها، بينما المطامع لا حدود لها، "نَهمان لا يشبعان طالب علم وطالب مال"،
في مثل الزلزال الذي نحن فيه، والذي نتمنّى أن يكون أقلّ خرابا، لا بدّ من الحذر، لا سيّما وأنّ صفحات التواصل صارت على كلّ هاتف محمول، وأنت تعلم أنّ الناس، وخاصّة في بلادنا يمكن جرّ غالبيّة الناس إلى مواقع (فكريّة)، أستخدم مفردة (فكريّة) حتى لا أذكر مفردة أخرى واخزة، جرّت حتى مَن كنّا نظنّ أنهم لا يسقطون في تلك الحَمْأة التي غرقوا فيها، وهذا يستدعي الكثير من الحذر، والانتباه، لا سيّما وأنّ ما يجري هو أخطر من كلّ توقّع جال ببال أحد،
لا تلم نفسك، فالصادقون يظنّون أنّ معظم الناس مثلهم، ولقد تنبّه الإمام عليّ كرّم الله وجهه لهذه المسألة فقال:" إنّ سوء الظنّ مِن أذكى الفِطَن"، وخاصة في الأزمنة التي ينتشر فيها الكذب، والخِداع الإبليسيّان،
نتوجّه إلى الله أن يحفظَ بلادنا ممّا أُحيك لها في الخفاء...