هل حزب البعث علماني؟
2025.07.07
د. عدنان عويّد
تابعت يوم 6/7/2025 حواراً على قناة سوريا (حول أسلمة الدولة) في سورية. شارك فيها الدكتور ياسين علوش، عميد كلية الشريعة في إدلب، والدكتور حسام الدين درويش. والدكتور عرابي عبد الحي. والمحامي ميشيل شماس. أدار الحوار الدكتور معاذ محارب.
لا أريد أن أدخل في بعض التفاصيل الفكرية والمنهجية التي دار حولها الحوار، ولكن ما يهمني في الحقيقة هو توضيح مسألة على درجة عالية من الأهمية، وهي لصق تهمة (العلمانيّة) بحزب البعث وبالتالي الاشتغال على محاربة كل ما يمت لمرحلة حكم البعث (العلماني) برأيهم على أنها كفر وإلحاد وزندقة وفساد وخراب ودمار وغير ذلك من سوء لا يتفق والقيم الدينية التي يحملها الأخوة قادة الثورة ومنتسبيها.
ما سأقوله ليس كلاماً عاطفياً أو من بناة أفكاري، أي رؤى ذاتية، وإنما هو كلام جاء من خبرة طويلة في صفوف حزب البعث، من كوني بعثي انتسب للحزب منذ عام 1968، وكوني مارست العمل الثقافي داخل مؤسسات الحزب لسنين طويلة، واحتكيت بعقول البعثيين وتوجهات حزب البعث الفكريّة.
لقد اشتغلت مديراً للمعهد الإعدادي النقابي العمالي الثقافي منذ عام 1990 حتى علم 1995. ومديراً لمدرسة الاعداد الحزبي الفرعيّة منذ 1995 حتى عام 2004. ورئيساً لتحرير جريدة الفرات منذ عام 2004 حتى 25/ شباط 2011. حتى أحلت على التقاعد. وأصبحت رئيساً لفرع اتحاد كتاب ديرالزور، الذي انتهت مهمتي به منذ 25/ 6/ 1025 لأسباب يعرفها المكتب التنفيذي للاتحاد. هذا عدا تدريسي لمادة الثقافة القومية في مداس ومعاهد وكليات الجامعة في دير الزور إضافة لعملي الوظيفي منذ عام 1983 حتى 2024.
أعود للسؤال موضع البحث أو التعليق على أراء السادة الدكتور ياسين علوش، عميد كلية الشريعة في إدلب، والدكتور عرابي عبد الحي اللذان اتهما حزب البعث بالعلمانية وما ارتبط بمعتنقيها من فساد وكفر وغير ذلك. هل حزب البعث علماني؟
أقول: لقد انقسمت فترة حكم البعث إلى ثلاث مراحل. الأولى منذ عام 1963 حتى عام 1996، في هذه الفترة ساد الجناح المدني بقيادة مشيل عفلق وصلاح البيطار، وهو جناح ذو توجه إسلامي أعلن فيه مشيل عفلق إسلامه أو تبنى الإسلام منطلقا حضاريا وفكريا لحزب البعث وقرب (الإخوان المسلمون) وسمح لعناصرهم التدريس في المدارس والجامعات، بينما اقصى الشيوعيين عن مجال التعليم. ونتيجة خلافهم مع الجناح العسكري الذي يقوده صلاح جديد وحافظ الأسد ويوسف زعين وغيرهم ممن قادوا حركة 23/ شباط, عام 1966، استطاع الجناح العسكري أن يقصي جناح مشيل عفلق ويستلم السلط. لقد كان جناح صلاح جديد يسارياً أقرب إلى النموذج الستاليني، ولكنه كان يعلم القيم والأخلاق الثورية، وهم من أوجد المنطلقات النظرية. ولكن لم يكن موقفهم من الدين إيجابياً، حيث كانوا متطرفين اتجاهه، وهذا ما أكسبهم العداء داخل التنظيم الحزبي وخارجه. وعندما قامت الحركة التصحيحية بقيادة حافظ الأسد وقف معه معظم البعثيين، وحتى الشارع رحب بقيام الحركة. التي قامت بوضع المنطلقات النظريّة على الرف من الناحية العمليّة.
ولكن كون حافظ الأسد (علوي)، لم يرض عنه الإخوان في سورية، وخاصة في قضية دين رئيس الحمهورية. وظل توجه الإخوان معانداً لحكومة الأسد من موقف طائفي إن كان في أحداث حماة أو في قيام حادثة المدفعية نهاية عام 1979. أو في محاولة اغتياله نفسه في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.
مع قيام حادثة المدفعيّة وتحرك الإخوان وغيرهم ضده، حيث تبين أن هناك قيادات في صفوف حزب البعث نفسه كانت مرتبطة بتنظيم العراق، شدّد حافظ الأسد قبضته عل الحزب والدولة. وهنا فقد الحزب دوره وبقي دون عقد أي مؤتمر قطري لمدة 20 عاما. ولكي يرضي حافظ الأسد الإسلاميين بدأ يشتغل مع مشايخ المؤسسة الدينية على طرح ما سمي بالإسلام المعتدل. وهنا بدأ التوجه الإسلامي للدولة والحزب معا في عهد حافظ وابنه بشار:
فعلى مستوى الدولة أعطيت وزارة الأوقاف صلاحيات واسعة في هذا الاتجاه، حيث تم بناء 23 ألف جامعا. و53 مدرسة شرعية وطلابها لهم رواتب من الدولة. ومئات دور الأسد لتحفيظ القرآن، والعديد من المعاهد الدينة والجامعات الدينية الخاصة، هذا عدا تأسيس تنظيم القبيسيات وشباب الرحمن، وتوظيف 60 ألف داعي وداعية. وفتحت أبواب الجوامع وأحسن القاعات للشيخ البوطي وفريقه في إعطاء الفكر الديني بصيغته الأشعريّة والصوفية والحنبليّة والوهابيّة، وتم استقبال العريفي والقرضاوي في سورية ومن قبل الرئيس بشار نفسه، وراح الأسدان ورجال الأمن يقصيان كل المفكرين التنويرين العلمانيين داخل الحزب وخارجه، بل سلط رجال الدين عليهم كما جرى للطيب تيزيني وهجوم شباب الرحمن بدشداشاتهم القصيرة عليه ومحاولة ضربه داخل الحرم الجامعي. كما راح يعين قيادات حزبية في الفروع من ذوي التوجه الديني، فرئيس مكتب الإعداد الفرعي مثلاً في فرع ديرالزور كان يعمل خطيب جامع. وكذا حال مديري الثقافة والمراكز الثقافية أكثرهم من ذوي المرجعيات الفكرية الدينيّة، حتى أن الكتب الدينية أصبحت تملأ مكتبات هذه المراكز الثقافيّة، وراحت القيادات الحزبية العليا تتهجم على العلمانيّة.
أقول إن 95/ بالمئة ممن ركب موجة الثورة وهم الان في المراكز القيادية في الدولة، قد تربوا في معاهد الأسد وجوامعه وفكر مشايخه.
نعم... إن البعث من حيث الجوهر ليس علمانيّا، ولكن حافظ الأسد وابنه وكل الفاسدين الذين التفوا حولهما، وتاجروا بالدين هم من أفسد الدولة والمجتمع ودمروا سورية، إضافة إلى القوى الأصوليّة الجهاديّة التي راحت تحارب كل مختلف وحتى المتدينين أنفسهم من التيارات الثانية.
فلنعد إلى حساباتنا في مكونات الشعب السوري بكل أطيافه وننسى بأننا وحدنا من يمتلك الحقيقة. وأعود أيضا وأكرر مرارا بأن سورية لا تحكم بالدين، سورية دولة متعددة الطوائف والمذاهب والديانات والانتماءات السياسيّة. ومن كل هؤلاء يوجد من يحب الوطن ويضحي من أجل، وإذا بقي بعض من هم في النظام الحالي يحمل روح العداء والتشهير بالمختلف، فلن تجدوا أحداً يقف معكم مستقبلاً، فنشوة السلطة ستتلاشى شيئاً فشيئاً لتحل بدلاً عنها شهوة السلطة، وعندما تحل شهوة السلطة ستجدون أنفسكم تحكمون بالحديد والنار.