كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

السريان.. حُرّاس الذاكرة السورية

أنس حمدون
أكثر ما يستفزني في الحديث عن ‘أمويّة سوريا’ هو هذا الجهل بتاريخ أرضٍ يُختزل إرثها العميق في حكم سلالةٍ قبلية لم تُكمل قرنًا من الزمان.
و كيف يُبنى مفهوم “الهوية السورية” على لحظة سياسية عابرة، بينما يتم تجاهل آلاف السنين من التراكم الثقافي والمعرفي؟
وإذا أردنا فعلًا أن نبحث عن الجذور، وأن نفتّش عن هويةٍ أكثر رسوخًا واتصالًا بذاكرة هذه البلاد، فما رأيكم أن نبدأ بـالسريان؟
يعود أصل السريان إلى الآراميين، تلك الجماعات السامية التي استقرت في مناطق واسعة من بلاد الشام منذ الألف الأول قبل الميلاد.
ومع انتشار المسيحية، تبنّى الآراميون العقيدة الجديدة وتطوّرت لغتهم الآرامية إلى السريانية، التي أصبحت لاحقًا لغة العلم والفكر واللاهوت في الشرق.
وهكذا، لم يكن السريان جماعة طارئة على هذه الأرض، بل امتدادًا حضاريًا لشعب أصيل تجذّر في تراب سوريا، وحمل لغتها وهويتها عبر العصور.
قبل وصول الإسلام إلى بلاد الشام، وفي ظل الحكم البيزنطي، كان السريان يشكّلون العمود الفقري للجهاز الإداري والثقافي لدمشق، بفضل معرفتهم المتقدمة باللغات، والطب، والفلك، والفلسفة.
ومن خلال لغتهم الآرامية، التي تطوّرت إلى السريانية، حافظوا على تراث علمي وفلسفي متصل بمدارس أنطاكية والرها ونصيبين، وكانوا صلة وصل بين حضارات الشرق والغرب.
يخلط كثيرون بين الدور المسيحي في الدولة الأموية، وبين الدور السرياني تحديدًا، وكأنهما وجهان لشيء واحد.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا: فالسريان لم يكونوا مجرد طائفة دينية ضمن الطيف المسيحي، بل كانوا حاملي إرث ثقافي طويل، سبق المسيحية واحتضنها لاحقًا..
حين قامت الدولة الأموية، لم تكن تملك جهازًا إداريًا مكتملًا، فاعتمدت – لا سيما في بداياتها – على السريان في إدارة الدواوين وقيادة الترجمة، خاصة في المجالين المالي والعلمي.
من أبرز الشخصيات السريانية التي خدمت في الدواوين الأموية:
• سرجون بن منصور: كان رئيس ديوان الخراج، وشغل منصبًا رفيعًا في بلاط معاوية وعبد الملك بن مروان.
• يوحنا الدمشقي: أحد كبار اللاهوتيين والفلاسفة المسيحيين، عمل في الديوان الأموي، ثم انسحب لاحقًا إلى دير مار سابا، وكتب دفاعًا عن الحرية الدينية وتعدّد الرؤى اللاهوتية.
ولم يتراجع هذا الدور مع سقوط الدولة الأموية و نشوء الدولة العباسية، بل ازداد اتساعًا، حيث كان السريان هم حجر الأساس في حركة الترجمة الكبرى التي قامت عليها “بيت الحكمة” في بغداد.
وقد تولّى هذه المهمة رموز سريانية بارزة:
• حنين بن إسحاق: ترجم أعظم أعمال الطب والفلسفة اليونانية إلى السريانية ثم العربية، وكان المرجع الأول في علوم أبقراط وجالينوس.
• ابن ماسويه: طبيب ومترجم، خدم خلفاء بني العباس وأسّس تقاليد التعليم الطبي المنهجي.
• ثابت بن قرة: عالم رياضيات وفلك من أصل سرياني- صابئي، أسهم في الترجمة والتأليف العلمي.
لم يكن دور السريان في الترجمة والنقل العلمي ممكنًا لولا إتقانهم لعدد واسع من اللغات القديمة والمعاصرة في عصرهم.
فقد كانوا يتقنون السريانية (التي تطوّرت عن الآرامية)، واليونانية بحكم التواصل مع الفلسفة والعلم الهلنستي، والفارسية نتيجة الاحتكاك الطويل مع الدولة الساسانية، والعربية بعد الفتح الإسلامي.
كما كان لهم إلمام بـالعبرية من خلال الجذور المشتركة للغات السامية، والآشورية بوصفها امتدادًا لتراث لغوي قديم عاش فيهم عبر النصوص والنقوش والتراث الكنسي.
هذا التعدّد اللغوي النادر، الذي جمع بين اللغات السامية والهندو- أوروبية، جعل من السريان جسورًا حقيقية بين الحضارات، لا فقط ناقلين للمعرفة، بل محرّكين لها ومنتجين ضمنها.
ولم يقتصر هذا الدور على العصور القديمة، بل إن من أوائل المطابع التي دخلت سوريا كانت على يد السريان في أوائل القرن الثامن عشر، لتُطلق بعدها حركة طباعة وتعليم واسعة خدمت الكنيسة والمعرفة العامة.
لكن الأهم من كل ذلك، أن السريان لم يكونوا مجرّد ناقلين للمعرفة، بل صانعين لهوية ثقافية تقوم على التعدّد، والتسامح، والتعايش.
فقد كانت مدارسهم من أوائل المؤسسات التي قدّمت فهمًا عقلانيًا وإنسانيًا للدين، وكان لاهوتهم أقل تصادمًا وأكثر احتضانًا للاختلاف.
أفرام السرياني، أحد أبرز آباء الكنيسة، هو نموذج لمسيحية روحية غير إقصائية، حافظت على جوهر الإيمان، ورفضت التسلّط الديني. و من أشهر و أجمل مقولاته: "الحب والإيمان جناحان، لا ينفصلان".
ليس هذا مجرد سرد لوقائع تاريخية.
بل تأكيد على أن السريان لم يكونوا فقط جزءًا من هذه البلاد، بل نسيجها الحضاري الأعمق.
وإن كان الاسم لا يصنع هوية، فإن من اللافت أن اسم “سوريا” نفسه يُنسب في أكثر من مصدر تاريخي إلى “السريان”، في تداخل لغوي وثقافي لا يمكن تجاهله.
إذاً، من هم السريان؟.. السريان هم أبناء حضارة عريقة، تعود جذورها إلى الآراميين، حملوا اللغة والمعرفة، وكانوا جسرًا للتواصل بين حضارات العالم القديم.
مسيحيون في العقيدة، مشرقيون في الروح، علميون في العقل، وإنسانيون في المبدأ.
وفي كل المراحل التاريخية، عبر الصراعات والانقسامات، لعبوا دورًا محوريًا في بناء الحضارات لا في خدمتها فقط.
إنصاف السريان اليوم ليس مجاملةً لتنوّعنا، بل اعترافٌ بجوهرٍ حضاريٍّ ظل، على مدى آلاف السنين، حاملًا للهوية السورية في بناء أهم الحضارات التي عرفتها البشرية، وفي الحوار بينها.
السريان ليسوا مجرد طائفة دينية أو مجموعة إثنية؛ إنهم بنية ثقافية متجذّرة في جينات هذا الوطن، وروحٌ حيّة في تاريخه العميق.
وحين نبحث عن هويةٍ سوريةٍ تعبّر حقًا عمّا نحن عليه، بكل ما نحمله من تنوّع وتراكب حضاري، لا بد أن نعيد البوصلة إلى الاتجاه الصحيح: إلى ثقافة الاختلاف والعيش المشترك، التي شكّلها من عاشوا على هذه الأرض قبل أن تُختزل في سلالة أو لحظة سلطوية عابرة.

الظروف تتحدانا اليوم لنُعيد تعريف أنفسنا، لا في مرآة الخارج، بل انطلاقًا من الداخل: من هذه الأرض، من هذا التنوّع، من هذا الإرث الحيّ الذي صمد رغم كل محاولات الطمس والتزوير!

راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية
ليلة الخروج من قنوبين.. كيف حمى بربر آغا البطريرك الماروني يوسف حبيش من مخالب الحرب؟