لماذا أكتب كل يوم عن جلال الدين الرومي.. ولماذا سميت نفسي أبا جلال!!
2025.05.15
د. محمد حبش
أختار كل يوم نفحة من نفحات المعلم مولانا جلال الدين، الذي أعتبره إمام المذهب الإنساني في الإسلام ورائده وأكبر فقهائه.
ولد جلال الدين في بلخ 604 هجرية... وكان أبوه قاضياً في الدولة الخوارزمية، ومنذ طفولته بدأ يشهد مآسي العالم.. حيث انقض جنكيز خان على الدولة الخوارزمية ودمرها عن بكرة أبيها، وكان على جلال الدين أن يهرب طفلاً مع أبيه بين مشاهد الموت والدمار من بلخ إلى بخارى إلى سمرقند إلى نيسابور إلى الري إلى أصفهان، حيث كان قدره أن يهرب بين جماجم القتلى وضحايا الحروب والمدن المحترقة، إلى بغداد حيث وصل هولاكو ودمر كل شيء! يومها كتب المفسرون والمؤرخون إنها القيامة والموت الأسود ونهاية العالم...
بعد سقوط بغداد 656هـ ورحلة الموت والدم.. بدأ جلال الدين يكتب فلسفته وحكمته...
كانت المفاجأة أن الحكيم الذي خرج من بين الجماجم والحرائق والموت... لم يكتب شيئاً عن الموت، ولا عن الكراهية، ولكنه راح يكتب ديوانه العظيم، المثنوي، بدأ يكتب فلسفة الأمل، والجمال، والعشق، والحب، وكأن هذا العالم بستان ملائكة لا تسكنه إلا الحمائم البيضاء!!
.
أوى إلى دمشق وفي ربوتها على ضفاف بردى تلقى أنغام الفارابي السبعة (صنع بسحر) الصبا والنهاوند والعجم والبيات والسيكاه والحجاز والرصد، ثم انطلق إلى قونية حيث أنشأ فيها معبد الحب مع صديقه الغامض شمس تبريز...
وعندما كانت تغرب الشمس في قونية الساحرة، كان يبدأ كفاحه لمواجهة الحرب بالحب، والسلاح بالموسيقا، والفروسية بالرقص، واستطاع أن يؤسس تياراً إنسانياً عابراً للأديان والمذاهب والطوائف..
في دارته الروحانية كانوا يلتقون.. أديانهم شتى وقومياتهم شتى، تاريخهم حروب، وماضيهم مغمس بالدم، ترهقهم نزعات الثأر والانتقام، ولكنه كان يهبهم نعمة الحب، ويغمرهم بنور العشق، فتستيقظ في أرواحهم مشارق الغفران، ويدفعهم إلى نشوة الوصال بالله، فيرقصون دراويش حول كعبة الروح!
هل رأيتم الدراويش في رقصهم؟ يمد الدرويش يداً إلى السماء يتلقى الإشراق، ويبسط يده الأخرى لتكون إشراقاً في الناس فيكون في رقصه كساباً وهاباً... يعكس دورة الحياة التي لا تتوقف أبداً عن الهدير والعطاء....
ويرتدي الدرويش بثوبه الأبيض حيث تضيع كل التفاصيل، ويدور كدورة الكون حيث يغمر العالم بالجمال الأبيض، وإذ يدور ويدور فإنه ينضع بياضاً ولا يبقى في ثوبه كدر ولا مدر....!!
اليوم وبعد رحيله ب 800 عام، حين تصل إلى قونية في شهر نوفمبر ستجد الوافدين إلى ضريحه من كل الأديان مسلمين ومسيحيين ويهود وهندوس وبوذيين وبهائيين، يرتلون كلامه النبيل، ويتحدثون عن الحب والعشق مذهباً إنسانياً يلتقي فيه أبناء كل دين، على كلمة سواء من المحبة....
سيهمس لك بعض ضريحه.. لا تأتي إلي إلا ومعك الدف والناي...
فلا يليق بالعاشق ان يأتي كئيباً يائساً......
تراث مولانا جلال الدين غني وكبير، أهمه المثنوي وهو 48000 بيت من الشعر كتبه بالفارسية، واشتهر كتابه المثنوي حتى سمي قرآن العجم، وكانوا يتلونه عقب كل صلاة!! وقد ترجمه الأستاذ عبد السلام كفافي إلى اللغة العربية وقد عشقته بروحي نثراً، ثم ترجمته شعراً، وأختار لك منه قصيدة الأمل:
.
قالت الروح وقد أرهقهـــــــــــا
قفص الأبدان في قهر وضر
.
أنـــــــــا بدرٌ.. إنمـــــــــا قوسني
ألم العشق وأضناني السهر
.
سوف أغدو مشرقاً من غربتي
وأعيش الدهر في كـــــر وفـــــر
.
حبة القمح.. إذا تدفنهــــــــــــــــــا
تجعل الأرض مخاضاً مستمر
.
وإذا تطحنهــــــــــا صلب الرحى
فهي بعد الطحن طعمى للبشر
.
وإذا تسحقهــــــــا أسنــــــــــــانهم
فهي للعاقــــــــــــــــــل لب وفكر
.
قدر العشاق في الدنيا الخلود
إنما العشق قضـــــــــــاء وقدر