عن حرّاس الجبل والتاريخ.. العلويون...
عمار اليازجي
كان التاريخ، في مكره القديم، يميل إلى طمس ما لا يستطيع فهمه، ويستعين في طمسه بالصمت تارة وبالعنف تارةً أخرى. وهكذا كانت سيرة العلويين، تلك الجماعة التي لا يليق وصفها بالمذهب أو الطائفة بقدر ما يليق اعتبارها صدىً غامضًا لصوت لم يُرِد أن يُسمع، أو لحقيقةٍ أرادت أن تبقى في الخفاء، مستعيضةً عن القوة بالإبهام، وعن النص بالتأويل.
في بداياتهم، انبثقوا من الكوفة، لا بوصفهم امتدادًا شيعيًا فحسب، بل كتيار باطنيّ غارق في الوله الرمزي. كانوا يرون في الإمام عليّ أكثر من رجل، أكثر من إمام، أكثر من ظلّ للنبيّ. بل هو تجلٍّ لما لا يُقال، وانبثاقٌ لما لا يُحتمل البقاء في العدم. لم يكن محمد عندهم سوى اسمٍ يحجب خلفه المعنى، أي المعنى العلوي المطلق، في حين ينهض سلمان الفارسي كبوابة لهذا العالم الخفي. هذا الثالوث — علي، محمد، سلمان — لا يُقصد به الأشخاص، بل الطبقات الوجودية للسر: التجلي، الحجاب، الباب.
وهكذا وُلدت عقيدتهم، لا كمنظومة تعاليم، بل كنظام كونيّ باطنيّ، يمتص من الزرادشتية نورها، ومن الغنوصية طبقاتها، ومن المسيحية ثالوثها، ومن الإسلام بواطنه لا ظواهره. لم يعبدوا عليًا كما يُشاع، بل رأوا فيه مرآة الحقيقة. لم يهجروا أركان الإسلام، بل ألبسوها رموزًا لا يدركها إلا الداخل في دائرة المعرفة: فالصلاة تأمّل، والصيام صمت، والحجّ ارتقاء، والزكاة تحرر، والشهادة كشف.
لم يُكتب لهذه الرؤية أن تُفهَم، لأن الزمان لم يكن مهيأً لفهم ما يخرج عن النمط. فكان تكفيرهم سهلاً، واضطهادهم مبررًا في نظر الفقهاء. عوقبوا لا لأنهم عصوا، بل لأنهم لم يتكلموا. لم يكتبوا للعامة، ولم يُظهِروا طقوسهم، واختاروا أن يكونوا من الخاصة، أولئك الذين يكتفون بالإشارة، ويتناقلون السرّ همسًا من صدرٍ إلى صدر. ولهذا، صار الجبل حصنهم، والعزلة خلاصهم، والموت رفيقهم.
في الجبال، حيث الغيم ينحدر على وجوه القرى، وحيث الليل طويل بما يكفي ليحمل الطقوس، بنوا عالمًا خاصًا بهم. كانت أعيادهم لا تُعلن، وكانت كتبهم تُنسخ بخوفٍ واحتراز، وكانت معرفتهم سرًّا لا يُباح. من لم يدخل في السلسلة، لن يعرف. ومن عرف وفضح، سقط من الدائرة، وربما من الوجود.
ومع تقلبات الدهر، توالت المحن. طُردوا من الحواضر، وأُبعدوا عن السواحل، وذُبحوا في الهزائم، وأُخمدوا في السرديات الكبرى. من مذبحة إلى مذبحة، صار تاريخهم هو ما تبقّى بعد الدم، وما لم يُكتَب. لا تُحصى المجازر التي تعرضوا لها، من سيوف العثمانيين إلى فتاوى التكفير، حتى وصل الأمر إلى مجازر القرن العشرين، كما حصل في الثامن من آذار، حيث لم يعد القتل أداةً للتأديب، بل وسيلةً للمحو. لكنهم لم يُمحَوا.
العتمة صارت مأوى، والملاحقة صارت طقسًا من طقوس الخلاص. تعلّموا كيف ينجون: بالصمت، بالتماهي، بالانكماش. لم يسعوا إلى السيطرة على أحد، بل إلى البقاء فقط. ولهذا، لم تكن أحلامهم كبيرة، بل كانت بسيطة: أن يُتركوا وشأنهم.
ثم جاء من استعار اسمهم دون أن ينتمي إليهم، وباع صوتهم دون أن يسمعه. استُخدمت الطائفة لا كجماعة روحية ذات تاريخ طويل في الجبال، بل كأداة للتماسك الأمني، وكدرع في معركةٍ لا شأن لها بها. حين صعد النظام الذي أسّسه حافظ الأسد، لم يكن أبناء القرى العلوية شركاء في السلطة، بل كانوا مجرد حجارة على رقعة شطرنج يُحرّكها المركز. نُقِل الفقراء منهم إلى الثكنات، واحتُجزت النخبة في صمتٍ مشبوه، بينما نُصّب العنوان الطائفي فوق نظام لا طائفة له، إلا القمع.
لم يكن ما حدث “حكم العلويين” لسوريا كما يُشاع، بل استغلال العلويين في حكم سوريا. عُلّق اسمهم فوق دولةٍ لا تمثلهم، ووُضع جسدهم في مدافع السلطة، ثم تُركوا للنار حين اشتعلت البلاد. في الحرب، لم يكن من يدفع الثمن سوى أولئك البسطاء، الذين خسروا أبناءهم في جبهات لا يعرفون لها معنى، ثم عادوا إلى بيوتٍ مهدّمة وقُرى محاصَرة، ليُواجَهوا بنظرات الكراهية والانتقام، لا لشيء إلا لأنهم يحملون اسم الطائفة التي زُجّت في الواجهة.
واليوم، وقد تهاوى الهيكل الذي بُني فوق أكتافهم، لم يبقَ لهم سوى الرماد. لا سلطة حقيقية، لا حماية، لا بيت، لا أمل. يعانون التهجير في قلب أرضهم، يُطاردهم الفقر كما طاردهم الشكّ دومًا، ويتسلل الخوف إلى ليلهم من بوابات الحرب ومن ألسنة من لم يفهمهم يومًا. ما زالوا وحدهم، كما كانوا دومًا، لكن وحدتهم الآن أكثر جرحًا، أكثر انكشافًا، وأكثر ألمًا.
ومع ذلك، لا يصرخون. لا يطالبون بأكثر من الحياد، لا يُريدون إلّا أن يُترَكوا وشأنهم. من كان له عينٌ تبصر، سيدرك أن هؤلاء الناس، الذين تشبّثوا بالجبل حين انهارت المدن، وبالرمز حين خانهم النص، وبالذاكرة حين غابت العدالة، لم يبحثوا عن قوة ولا مجد، بل عن كرامة العيش في ظل ما تبقّى من المعنى. إنهم الماء الصامت الذي يجري في شقوق التاريخ، لا يصنع الضجيج، لكنه يغذي الجذر في عمق الأرض.