سوريا ومستقبل الدولة
2025.04.10
مروان حبش
تواجه سوريا مرحلة مفصلية جديدة في تاريخها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وذلك بعد الإعلان عن تشكيل الوزارة الانتقالية الجديدة، والتي شهدت سيطرة ملحوظة للتيارات الدينية على أهم الوزارات السيادية والحيوية. هذا التحول يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل الدولة السورية، خصوصًا فيما يتعلق بسيادة القانون، والحريات المدنية، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.والسياسية.
يبدو أن الحكومة الانتقالية تعكس تحالفات جديدة داخل المشهد السياسي السوري، حيث تمكنت التيارات الدينية من الوصول إلى مناصب صنع القرار. إن سيطرة المتعصبين دينياً على وزارات حيوية قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في السياسات العامة. فمن المتوقع أن تتجه هذه الوزارات نحو تعزيز القيم الدينية المتشددة، مما سيؤثر على حرية التعبير. كما أنها قد تعمل على قمع أي معارضة أو احتجاجات تحت ذريعة الحفاظ على الأمن والاستقرار. ويثير هذا الأمر مخاوف حول مدى تأثر السياسات العامة بالتفسيرات الدينية المتشددة، وتأثير ذلك على بنية الدولة التي لها صفة الحياد تجاه كل مكونات الشعب. وعلى علاقتها مع مختلف المكونات المجتمعية.
إن السيطرة المتزايدة للتيارات الدينية المتشددة على الحكومة الانتقالية قد تؤدي إلى تراجع في الحريات المدنية، بما في ذلك حرية التعبير، حقوق المرأة، وحقوق الأقليات الدينية والعرقية. ويمكن أن تشهد البلاد سياسات أكثر صرامة في مجالات مثل التعليم، الإعلام، والقضاء، مما قد يحد من التنوع الفكري ويعزز أيديولوجيا معينة في الشأن العام. يعد الاقتصاد من أكثر المجالات حساسية لأي تحول سياسي، وسيكون من المهم مراقبة تأثير هذه الحكومة الجديدة على
السياسة الاقتصادية. من المحتمل أن تؤدي هذه السيطرة إلى توجيه الاستثمارات والمساعدات الدولية بطرق تعكس أولويات هذه التيارات، مما قد يعزز الاقتصاد الديني غير الرسمي ويضعف فرص الاستثمارات المستقلة. علاوة على ذلك، قد يتم فرض قوانين مصرفية وتجارية تتماشى مع التوجهات الدينية، مما قد يؤثر على العلاقات الاقتصادية الخارجية. إن الحكومة الجديدة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، حيث يعاني الاقتصاد السوري من الانهيار.
ومع ذلك، فإن التركيز على الأجندات الدينية، لو حصل، قد يعيق جهود إعادة الإعمار والتنمية. فبدلاً من التركيز على التنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة، قد يتم توجيه الموارد نحو المشاريع التي تدعم الأيديولوجيا الدينية. قد تؤثر سيطرة المتعصبين دينياً على الحكومة الانتقالية السورية على العلاقات الدولية للبلاد. فالدول الغربية التي كانت تأمل في عملية انتقال سياسي قد تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم استراتيجياتها.
في المقابل، قد تجد الحكومة الجديدة دعماً من دول أخرى تتبنى توجهات مشابهة، مما قد يعقد الوضع أكثر.
قد تواجه العلاقات الدولية والإقليمية، التي تعاني من عزلة دبلوماسية نسبية، تحديات إضافية في علاقتها مع القوى الإقليمية والدولية نتيجة لهذه التغييرات. يمكن أن تجد الحكومة صعوبة في التعامل مع دول غربية تتبنى سياسات علمانية صارمة أو مع دول عربية تخشى من تصاعد النفوذ الديني في المنطقة. على الجانب الآخر، قد تسعى الحكومة الجديدة إلى تعزيز علاقاتها مع القوى التي تدعم الأيديولوجيا الدينية، مما قد يغير من خارطة التحالفات الإقليمية. ليس من المستبعد أن تواجه الحكومة الجديدة مقاومة من داخل المجتمع السوري، سواء من القوى المدنية والديمقراطية، النخب السياسية والاقتصادية، أو من الفصائل المعتدلة داخل النظام السياسي نفسه.
قد يؤدي هذا إلى نشوء توترات داخلية، وربما احتجاجات أو انقسامات داخل المؤسسات الحكومية نفسها. كما أن قطاعات واسعة من الشعب، التي اعتادت على نمط حياة أكثر انفتاحًا، قد لا تتقبل هذه التغيرات، إن حصلت، بسهولة. يمكن أن تؤدي سيطرة بعض القوى الدينية المتعصبة إلى تفكيك النسيج الاجتماعي في سوريا. فالتوترات الطائفية قد تزداد، مما يهدد باندلاع صراعات جديدة. إن تعزيز الهويات الدينية على حساب الهويات الوطنية قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام بين مختلف فئات المجتمع السوري.
إن تشكيل الوزارة الانتقالية الجديدة في سوريا وسلطة بعض المتعصبين دينياً على وزارات رئيسية يمثل تحدياً كبيراً لمستقبل الدولة. والأمر يتطلب استجابة شاملة من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك المجتمع الدولي الذي لا يعطي شكاً على بياض، وسوف يراقب تصرفات السلطة كي يحدد مواقفه لضمان عدم تفاقم الأوضاع نحو مزيد من الانقسام والفوضى.
إن مستقبل الدولة في سوريا يبدو غامضاً ومحفوفًا بالتحديات في ظل هذه التطورات، وفي ظل غياب التوازن السياسي، واحتمالات التضييق على الحريات إذا استمرت الحكومة في تعزيز الأجندات الدينية المتعصبة، فقد تدخل البلاد في مرحلة جديدة من الفوضى والانقسام. بينما يبقى الأمل قائماً في وجود قوى معتدلة تسعى إلى بناء دولة مواطنة، ونظام ديمقراطي، تعزز من قيم التعايش السلمي.
تبدو المرحلة المقبلة مليئة بالمخاطر التي قد تعيد تشكيل ملامح سوريا بطريقة غير مسبوقة. وتبقى الأسئلة مفتوحة حول كيفية تفاعل المجتمع السوري مع هذه التغييرات، ومدى إمكانية ظهور قوى معارضة توازن المشهد السياسي، وما إذا كانت هذه الحكومة قادرة على تقديم حلول حقيقية للأزمات التي تعصف بالبلاد.
إن بناء دولة مواطنة حيادية، قوية، ومستقرة يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الأجندات الضيقة وتعزز من قيم العدالة والحرية والديمقراطية والسلم الأهلي بين جميع مكونات المجتمع السوري، كما أن الصلاحيات المطلقة التي منحها الرئيس لنفسه في الإعلان الدستوري تعيق أن تكون الحكومة شاملة ولا ذات مؤسسات فعالة، وقد تضعف الآمال بالوصول إلى دولة مواطنة ونظام ديمقراطي، وإن استلام أشخاص متعصبون دينياً لوزارات حساسة ولفترة انتقالية طويلة قد تكون نتائجه استبدال الحكم البائد، الاستبدادي الفاسد القاتل، بحكم استبدادي ثيوقراطي اسلامي، ومما سيزيد من هذا الاحتمال وجود فصائل دينية مسلحة خارجة عن السيطرة تهدد بزعزعة الأمن وتقويض سلطة الدولة، وهذا سوف يعمق المخاوف عند شريحة كبيرة جدا من المجتمع، وربما في طليعتها (رجال التدين الشامي)، من أن يجد المجتمع نفسه في أمارة دينية. وتتعزز هذه الرؤية التشاؤمية مما نلمسه من مفارقة واضحة بين التصريحات الموجهة للعالمين العربي والغربي، وبين الممارسات على أرض الواقع.