كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

دولة المواطنة لجميع مواطنيها

مروان حبش

إن الدولة كيانٌ سياسيٌ واجتماعيٌ جامع لكل مواطنيها، يهدف إلى خدمتهم جميعاً دون استثناء. ومفهومها يتجاوز مجرد كونها سلطة تحكم، ليشمل أيضًا المبادئ الأساسية للعدالة والمساواة، وأن تكون مظلةً حاميةً لحقوق الجميع. لذا، فإنه من غير المقبول أن تستخدم السلطة التي تدير شؤون الدولة لفترة معينة وسائل الانتقام أو تصفية حسابات ضد المعارضين، سواء كانوا من مؤيدي السلطة السابقة أو من أي فئة أخرى. إن انتهاج سياسات تمييزية على أساس سياسي، أو إثني، أو ديني، أوطائفي يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي ويعمق الانقسامات بين المواطنين.
عندما تنتقل السلطة، خاصة بعد نزاع أهلي أو تغييرات جذرية، يكون أمام القيادة الجديدة خياران: إما ترسيخ دولة القانون والعدالة الانتقالية، أو اللجوء إلى الانتقام والإقصاء، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع وعدم الاستقرار.
إن السلطة الحاكمة هي إدارة مؤقتة لشؤون الدولة، وليست مالكة لها. وهذا يعني أن مؤسسات الدولة يجب أن تبقى مستقلة عن الصراعات أي كان شكلها، فلا يجوز أن تتحول إلى أدوات انتقام من المعارضين أو مكافأة للمؤيدين. أي استخدام مقدرات الدولة لمعاقبة الخصوم السياسيين أو الانتقام منهم، سواء كان ذلك عبر الإقصاء السياسي، أو التهميش الاقتصادي، أو القمع الأمني، لأن ذلك يقوّض مبدأ المواطنة المتساوية ويدفع نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام.
حين تلجأ السلطة الجديدة إلى الانتقام من خصومها السياسيين أو الفئات التي دعمت السلطة السابقة، فإنها تؤسس لدورة جديدة من العنف وعدم الاستقرار. وهي لا تؤذي فقط الأفراد المستهدفين، بل تهدد أيضًا استقرار الدولة ككل. ومن بين المخاطر الناجمة عن التعسف بحق المعارضين:
-تفكيك الوحدة الوطنية: إن استهداف فئة معينة من المواطنين بناءً على انتماءاتهم السياسية، أو الإثنية، أو الدينية، أو الطائفية، يخلق شعورًا بالانقسام ويعزز النزاعات الداخلية. وهذا قد يؤدي إلى نشوء حركات معارضة جديدة أو حتى إلى عودة الصراعات الأهلية.
-فقدان الثقة في المؤسسات: عندما يشعر المواطنون بأن الحكومة تستخدم السلطة بشكل تعسفي، فإن ذلك يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية. وهذا يمكن أن يعوق جهود التنمية ويؤثر سلبًا على الاستقرار السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي.
-تأجيج العنف: إن الانتقام يمكن أن يؤدي إلى دوامة من العنف، حيث يسعى المستهدفون للانتقام من السلطة. وهذا العنف قد يمتد ليشمل المدنيين، مما يزيد من معاناة الشعب ويعيق جهود السلام.
-إعادة إنتاج النزاع: يؤدي القمع والإقصاء إلى تراكم مشاعر الغضب والإحساس بالظلم، مما يدفع المظلومين إلى البحث عن وسائل للانتقام، سواء عبر العنف السياسي أو المعارضة المتشددة.
-ضعف الدولة ومؤسساتها: عندما يتم توظيف أجهزة الدولة في الانتقام، تفقد هذه المؤسسات حياديتها، ما يؤدي إلى ترسيخ الفساد والمحسوبية، ويضعف ثقة المواطنين بها.
-تقويض التنمية الاقتصادية: تهميش المعارضين سياسيًا أو اقتصاديًا يؤدي إلى هجرة العقول، وتراجع الاستثمارات، وزيادة معدلات الفقر، مما يعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
-تفكك النسيج الاجتماعي: عندما يتم استهداف فئة معينة على أسس طائفية أو إثنية أو سياسية، يتعزز الانقسام المجتمعي، ما يجعل المصالحة المستقبلية أكثر صعوبة.
-التدخلات الخارجية: حين يصبح القمع المفرط وسيلة السلطة، قد تتدخل جهات دولية تحت ذرائع حقوق الإنسان، مما يعرض الدولة لضغوط دولية قد تصل إلى العقوبات أو التدخلات السياسية والعسكرية.
-إعاقة العدالة الانتقالية: إن العدالة الانتقالية هي عملية تهدف إلى معالجة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة. وإذا استمرت السلطة في ممارسات الانتقام، فإن ذلك سيعرقل هذه العملية الحيوية ويزيد من صعوبة تحقيق المصالحة.
أثر الانتقام على الدولة
إذا تحولت الدولة إلى أداة انتقام، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية ككيان جامع، وتصبح مجرد أداة بيد فصيل سياسي معين. هذا يؤدي إلى فقدان شرعية السلطة الحاكمة، ويفتح الباب أمام تمردات وثورات جديدة. وعلى العكس، فإن اعتماد منهج العدالة الانتقالية والتسامح يرسّخ الاستقرار ويمنح الشرعية لأي نظام حكم جديد، مما يسهم في بناء دولة قوية وقادرة على احتواء التنوع السياسي والاجتماعي.
عند انتهاء الحروب الأهلية أو التغييرات السياسية العميقة، يصبح تطبيق العدالة الانتقالية أمرًا ضروريًا لتحقيق الاستقرار. ولضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة. يجب أن تشمل هذه العملية:
-محاكمة عادلة بطريقة نزيهة وشفافة، لمن ارتكبوا جرائم وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، لضمان عدم الإفلات من العقاب دون اللجوء إلى الانتقام العشوائي.
-المصالحة والتسامح، بحيث يتم طي صفحة الماضي عبر آليات تشمل الحوار الوطني، والعمل على بناء جسور الثقة، ودمج جميع الفئات في العملية السياسية، وضمان التعددية.
-جبر الضرر، وذلك بتقديم تعويضات، والدعم والمساعدة للضحايا وعائلاتهم، وللمتضررين من النزاعات، سواء كانوا أفرادًا أو مجتمعات محلية.
-الإصلاح المؤسسي، بحيث يتم تصحيح الأخطاء السابقة وتحصين مؤسسات الدولة من أن تصبح أدوات للقمع أو التمييز.
وخلاصة القول، إن الدولة ليست ملكًا لحزب أو فصيل سياسي، بل هي لجميع مواطنيها. وعند حدوث تغيير سياسي أو انتصار عسكري في نزاع داخلي، فإن الحكمة تقتضي تبني نهج العدالة، والمساواة، والمصالحة، وتعزيز قيم التسامح بدلاً من الانتقام والإقصاء. فالانتقام يؤدي إلى دورة لا تنتهي من العنف.
وإن بناء دولة قوية ومستقرة يتطلب استثمار الوقت والجهد في تحقيق العدالة الانتقالية لتعزيز الاستقرار الداخلي، لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وازدهارًا للجميع. وبناء مستقبل مستقر يقوم على سيادة القانون والمواطنة.
هناك العديد من الأمثلة حول العالم التي توضح عواقب الإقصاء السياسي والطائفي والإثني:
العراق بعد 2003: أدى تهميش بعض الفئات إلى نشوب صراعات طائفية مدمرة أثرت على استقرار البلاد.
جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري: أدى التمييز العنصري إلى عقود من العنف السياسي والاضطرابات حتى تمت الإطاحة بالنظام العنصري.
ميانمار وأزمة الروهينغا: أدى اضطهاد الروهينغا إلى نزوح جماعي وأزمة إنسانية كبيرة، فضلًا عن فرض عقوبات دولية على ميانمار. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية