كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اشتهيتك بهذا الرغيف

محمد صباح الحواصلي
أفصحَ الصبحُ، وكشف عن كنوزه، وصار لا بد من الخروج والاستئناس بنوره وألوانه وملكوته ومكوناته. كانت فريال قد قالت لي أمس:
"عبد الرحمن وأندريا (ابننا وزوجته) قادمان لزيارتنا غدا الجمعة، ووعدتهما بأكلة (يبرق).. هل لك أن تشتري قطرميز ورق العنب، فالأوراق التي قطفناها من داليتنا آواخر الصيف وحفظناها قد انتهت.. وأشتري عصفر أيضاً الله يخليك."
خرجت من البيت لأشتري قطرميز ورق العنب وعصفراً أيضاً. أخذت شارع ٢٥٦ المشجر الطويل، المسكون، الساكن، المزين بأطيار الروابي والطرقات، وبالرحابة المفتوحة عند تربة الرحمة وممشى (سوس كريك). كل شيء في طريقي كان جميلاً يدعو إلى الفرح، ويذكرني بقصيدة لأيليا أبو ماضي يقول فيها:
فتمتع بالصبح ما دمت به
لا تخف أن يزول حتى يزولا
سرُّ الحياة أدركته طيور الرّوابي
فمن العار أن تظل أنت جهولا
أيها الشاكي وما بك داء
كن جميلا تر الوجود جميلا
ورق العنب غير متوفر إلا في محلات المنتجات العربية، وأغلبها بعيد من مكان سكني، إلا مخبز (الرياحين) لصاحبه حسين العراقي، ففي مخبزه ركن يبيع فيه بعض المعلبات والحلويات. لا أخفيكم أنني على الرغم من انقطاعنا، أنا وفريال، عن أكل الخبز والرز وغيرهما من الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية فإن ذهابي إلى مخبز الرياحين يثير ذاكرتي ويسافر بها بعيداً.. إلى مواطنَ الطفولة تحديداً. أوقفت سيارتي أمام المخبز، دخلت وسلمت:
"السلام عليكم أخي حسين."
"عليكم السلام.. أهلاً بالأستاذ.."
كان حسين يخبز، مرتدياً قميصه الفانلة الأبيض، وكان أول ما رأيت فيه لحيته البيضاء القصيرة في وجهه الحنطي وأثر الطحين عليه. دفء الأفران حميمي له توهج محرض، رائحته تنتمي إلى زمن البدايات حيث أرى نفسي صبياً وشاباً في الأزقة القديمة ومعالمها وأصواتها من سماع حدوات الأحصنة ورنين جرس دراجة ونداءات الباعة.
سألت حسين:
"عندك ورق العنب.."
مد ذراعه وكتفه وأشار من بعيد:
"هناك على الرف الثاني، غطاؤه أحمر."
جلت بنظري في الرف الثاني:
"وجدته.."
وقفت عند صندوق المحاسبة. كان حسين يخبز، وكان يسعدني أن يبقى يخبز لكي أبقى انظر إليه. رأيته وهو يدحو العجينة بيديه، ويوسعها براحتيه، فتتمدد، وتتمدد، ثم يبسط رقاقتها الدائرية الواسعة على طراحة قماشية جسئة مستديرة ويدخلها في جوف الفرن ويلصق الرغيف على جداره الحامي. سألني:
"ألا تريد خبزاً..؟"
لم أقل له إننا لا نأكل خبزاً حرصاً منا ألا يرتفع سكر الدم.. بل قلت له في يوم آخر. لكنه، بعدما أخرج رغيفاً ساخناً وألقى به فوق مجموعة من أرغفة الخبز المشروح، تناول واحداً منها وطواه داخل كيس ورقي أبقاه مفتوحاً لكي لا يعرق الرغيف قائلاً:
"اشتهيتك بهذا الرغيف."
أسعدني رغيف الخباز حسين، كما أسعدني الصباح الذي افصح عن كنوزه وجماله بصحبة الطريق والأشجار والروابي والأطيار والفرن. شكرته، ودفعتُ، وخرجت.

في السيارة، لم أقاوم رائحة الخبز فقطعتُ (شقفة) من استدارة الرغيف المشروح المغرية وأكلتها (حاف) غير عابئ بالسعرات الحرارية.

الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية