كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ماهية الدولة وبناؤها

مروان حبش- فينكس

يبقى السؤال عن ماهية الدولة المتجددة باستمرار مطروحاً، وهناك شيء في الدولة غير قابل للإدراك. كما يبقى السؤال عن مصدر السلطة وأساسها، وعن رمزيتها، وعن إضفاء طابع مجرد على السلطة، وعن نظريتي السيادة والتجسيد مطروحاً أيضاً. ولا بد أنها تستمد جذورها من رمز ديني، أو إرث قانوني.
لقد فرضت الدولة نفسها كأنموذج عالمي لتنظيم السلطة السياسية للمجتمعات الحديثة، بعد ظهورها في أوروبا الغربية، نهاية عصر الإقطاع.، مع وجود تفاوتات نظرية وفقهية وأيديولوجية، ونزعات الخصوصيات القومية التي تظهر بوضوح في المجرد وفي الملموس، حين يكون من الملائم الجمع بين وجود الدولة وعملها، وبين دراستها النظرية والتجريبية.
لقد توافقت الدول الأوربية في معاهدة الصلح، الموقعة في مؤتمر وستفاليا عام 1648، بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة والإمارات البروتستانتية التابعة لها، وكل من فرنسا وإسبانيا وهولندة والسويد، في أعقاب حرب الثلاثين عاماً، وقد حددت هذه المعاهدة أسس الدولة الحديثة، ككيان يقوم على مبدأ السيادة، يتمتع بسلطة مستقلة عن أي قوة خارجية، ويُفترض فيه أن يضم قومية أو أكثر، بشرط دخول القوميات كلها تحت مظلة المواطنة بمعناها متعدد الأبعاد سياسياً وقانونياً واقتصادياً وثقافياً. ولكن هذا الأنموذج الوستفالي للدولة الحديثة، للدولة- الأمة السيدة الذي شكل نقطة مرجعية، لم يكتمل إلا بعد أن مرَّ بسيرورة طويلة، ورغم ذلك بقي شديد التنوع، خاضعاً لعمليات إحياء وإعادة خلق على مستوى دول العالم التي حُدد موقعها، جغرافياً، خلف وحدتها القانونية المؤسسة على السيادة.
هناك رباط حصري ووحيد الجوهر بين السيادة والدولة، أقامه الفقهاء، ابتداءً بـ "جان بودان"، وغير هذا الرباط، هناك تعريفات للدولة، متنافسة، بل متعاكسة، وكما لخص "جان لوكا"، فإنه يمكن التمييز بين ثلاثة مفاهيم تحليلية: الدولة كقوة لدى مكيافيللي، والدولة كقانون لدى هانز كلسن، والدولة كشرعية يُسوغها ما يجب أن تكون عليه لدى هيغل، أو كشرعية يسوغها انتسابها إلى قيم تُعدُّ مسيطرة لدى ماكس فيبر.
أثارت فكرة الدولة كثيراً من المفاهيم والنظريات التي ظهرت، غالباً في شكل طوباويات وضعية تقترح أنموذجاً اجتماعياً ينبغي العمل على بنائه، أو نقدية تنتقد أحد نماذج السيطرة. وهذا ما يبين أن الدولة حقل واسع للمكنات، من حيث العلاقة مع الشأن السياسي والاقتصادي والشأن الديني. كما أن الدولة كموضوع من النزعة الداعية إلى مد سلطتها لتشمل مختلف جوانب الحياة، والنزعة الداعية إلى أن تجعل من الدولة فكرة مركزية إلى فكرة سمو الدولة ومركزيتها في النظام الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي والقانوني.
ظهرت الدولة، ككلمة ومفهوم، عام 1696، في الطبعة الأولى من معجم الأكاديمية الفرنسية الذي يعرف الدولة بأنها "حكمُ شعبٍ يعيش تحت سيطرة أمير، أو في جمهورية" واستمرت فرادة مفهوم الدولة في التثبت والتضخم والاستمرارية التاريخية، وفي السمو والحياد كمصدرٍ لتعريف المصلحة العامة وفرضها ومراقبتها. وتحيل الكلمة اللاتينية stare التي اشتقت منها كلمة الدولة، إلى مفهوم الثبات والدوام، وقرن ميكيافيللي كلمة "الدولة stato" بكلمة " domino" التي توحي بفكرة السيطرة، وتحيل إلى سلطة سياسية دنيوية ضامنة للخير المشترك. وقد انبثقت كلمة الدولة ""estate ومفهومها في اللحظة التي أخذت فيها شكلها في الواقع.
إن الدولة، ككيان مجرد وواقعي، وكظاهرة تصورية ملموسة، هي نقطة التقاء وتمايز بين مختلف فروع العلوم الإنسانية. ولكن ظاهرة الدولة تسمو على تعريفات هذه العلوم، ومفهومها لها. ولا يمكن فهمها إلا في شكلها المجرد، لأنها كشكل ممأسس للسلطة السياسية، وكشخص قانوني ونظام قانوني تراتبي، وسلطة للتنظيم الاجتماعي، ومُنْتَج لسياسات عامة، وجهاز للإكراه والسيطرة، تُهم العلوم الإنسانية، من الحقوق إلى علم الإنسان.
لقد برزت الدولة في التاريخ في وقت متأخر، نسبياً، وكانت نتاجاً لتطور من طبيعة متنوعة (فلسفية، أيديولوجية، سياسية، اجتماعية، قانونية، قيمية، ورمزية). وأظهر علم الاجتماع التاريخي المقارن للدولة طرائق متنوعة لبنائها.
إن تأكيد القوة السيدة للدولة جرى وفق سيرورة بطيئة وغير متواصلة، وتطابقت ولادة الشكل الشرعي للسيطرة السياسية والقانونية والعقلانية الذي تمثله الدولة "وفق نظرية عالم الاجتماع ماكس فيبر" مع دخول أوروبا الغربية في عصر الحداثة الغني بانقلابات ذات طبيعة سياسية (نهاية حرب الثلاثين عاماً، وتوقيع معاهدة وستفاليا)، وطبيعة دينية (انشقاق الكنيسة الغربية، والإصلاح الديني البروتستانتي)، وطبيعة ثقافية (التمييز بين الشأن السياسي والشأن الديني)، وطبيعة ديمغرافية (هجرة البروتستانت...)، وطبيعة اقتصادية (تطور الرأسمالية التجارية والمصرفية..)، وطبيعة اجتماعية (التمييز بين الشأنين العام والخاص، تطور التعليم وإعادة اكتشاف القانون الروماني..).
كان بناء الدولة، أيضاً، قضية جدلية للعلاقات بين الدولة والمجتمع المدني، وفرضت الدولة نفسها بالإكراه والإقناع، معاً، وهي دولة غير قابلة للاختزال، ولها الشرعية والسيادة، وهي شخص معنوي ومنظومة قواعد قانونية.
إن بناء الدولة يحمل في طياته جوانب فلسفية وسياسية وقانونية:
فمن الناحية الفلسفية دافع منظرو العقد الاجتماعي، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، عن الفكرة القائلة إن المجتمع والدولة هما نتاج عمل واتفاق إرادي، ولا يتلقى صاحب القوة سلطته من الله، الدولة قوة سياسية زمنية صرفة، دنيوية، وبشرية، سيدة. وأن السيادة من صفات قوتها الصادرة عن إرادتها وحدها. والسيادة، أيضاً، تمنح الدولة سلطة مطلقة لامحدودة تضعها فوق الأفراد والمجتمع المدني.
ومن الناحية السياسية، تفترض سيطرة الدولة والطاعة الواجبة لها، الإيمان بشرعية السلطة التي تمارس هذه السيطرة. ويؤكد "ماكس فيبر" بأن الفرادة التاريخية للدولة تتجلى في أنموذج سلطة، وشكل سيطرة شرعية- عقلانية، يؤمنها جهاز بيروقراطي. وكانت إقامة الإدارة كأداة مؤسسة لتشكل الدولة، والقدرة على العمل بفاعلية وعلى تجسيد المصلحة العامة هي التي سمحت للدولة الحديثة بفرض سلطتها وشرعيتها.
ومن الناحية القانونية، فإن البناء التاريخي للدولة ترافق مع تطور نظامها القانوني الخاص، عبر إنتاج قواعد قانونية مخصصة لتأمين عملها، ولتلبية وظائفها الاجتماعية. ويدافع أنصار "نظرية القانون " عن أطروحة تطابق القانون والدولة، وبرأيهم أن القانون "يُعَرِّف الدولة ويكونها". وتكمن السمة المميزة والحصرية للدولة في طابعها كشخص متمتع بالسيادة، وعملها يجب أن يكون خاضعاً لسلطة القانون.
إن الدولة تستمر في حالة نمو، ولا يمكن أن تكون رهينة السكونِ وحيدَ المعنى، كما أنها ليست منتجاً منجزاً، إنها تندرج في ديناميات تطور متواصل من غير انقطاع عمَا يصنع جوهرها، ولمْ يُستنفذ البحث في مفاهيم تتدفق باستمرار لتغني نظريات الدولة وسلطتها المتميزة، وأشكال التعبير عنها. 
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)
السلم الأهلي وركائزه.. من سلام الغَلَبة إلى سلام الشراكة الوطنية